الرئيسية / سياحة عالمية / العراق يعيد اكتشاف ثروته الأثرية والجامعات تتسابق لتطوير السياحة الثقافية
العراق يعيد اكتشاف ثروته الأثرية والجامعات تتسابق لتطوير السياحة الثقافية
العراق يعيد اكتشاف ثروته الأثرية والجامعات تتسابق لتطوير السياحة الثقافية

العراق يعيد اكتشاف ثروته الأثرية والجامعات تتسابق لتطوير السياحة الثقافية

كتبت – سها ممدوح : تتحرك العراق لإعادة صياغة علاقته بثروته الحضارية، عبر تحويل المواقع الأثرية من مجرد شواهد على تاريخ عريق إلى مقاصد سياحية واقتصادية قادرة على جذب الزائرين والاستثمارات، في خطوة تتطلب تكاملًا حقيقيًا بين المؤسسات الحكومية والجامعات والجهات المتخصصة في الآثار والسياحة.

وفي هذا الإطار، ناقشت جامعة بابل آليات تطوير السياحة الأثرية في العراق، خلال اجتماع موسع عقد بحضور رئيس الجامعة، وممثل عن مكتب رئيس مجلس الوزراء، وعدد من عمداء كليات الآثار والسياحة في الجامعات العراقية، إلى جانب مفتش آثار وتراث بابل، لبحث سبل النهوض بهذا القطاع وتعظيم الاستفادة من الإمكانات الحضارية التي تمتلكها البلاد.

ويكتسب التحرك أهمية خاصة في ظل امتلاك العراق واحدة من أغنى الخرائط الحضارية في العالم، بما تضمه من مواقع مرتبطة بالحضارات السومرية والبابلية والآشورية والإسلامية، فضلًا عن تنوع التراث العمراني والثقافي الذي يمكن أن يشكل قاعدة لصناعة سياحية متخصصة تقوم على التاريخ والمعرفة والتجربة الثقافية.

من المواقع الأثرية إلى منتجات سياحية

الفكرة الأهم التي يطرحها هذا التحرك تتمثل في الانتقال من التعامل مع الموقع الأثري باعتباره مكانًا للحفاظ على الآثار فقط، إلى اعتباره منتجًا سياحيًا متكاملًا.

فالموقع الأثري الناجح سياحيًا يحتاج إلى أكثر من عمليات الترميم؛ إذ يتطلب مسارات للزيارة، ومراكز معلومات، ووسائل إرشاد حديثة، وخدمات نقل، ومرافق للزوار، ومناطق للضيافة والمطاعم، وبرامج سياحية تربطه بالمجتمعات المحلية والمقاصد الأخرى.

وهنا يمكن للجامعات أن تلعب دورًا يتجاوز التعليم والبحث العلمي، من خلال إعداد الدراسات الخاصة بالزائرين، وتصميم المسارات السياحية، وتطوير المحتوى الثقافي، وتدريب المرشدين والعاملين، وإجراء الدراسات الاقتصادية الخاصة بجدوى الاستثمار في المواقع والمناطق المحيطة بها.

بابل.. نموذج قابل للبناء عليه

وتأتي مناقشة تطوير السياحة الأثرية في جامعة بابل في مدينة ترتبط بواحدة من أشهر الحضارات في تاريخ الإنسانية، وهو ما يمنح المحافظة فرصة لبناء نموذج متكامل للسياحة الثقافية.

فبابل لا تحتاج فقط إلى زيادة أعداد الزائرين، وإنما إلى إطالة مدة إقامة السائح وتحويل الزيارة الأثرية إلى تجربة متكاملة تشمل التعرف على التاريخ والتراث المحلي والحرف التقليدية والمطبخ العراقي والأنشطة الثقافية.

وهذا النموذج يمكن أن يخلق تأثيرًا اقتصاديًا أوسع، إذ تستفيد منه الفنادق وشركات النقل والمطاعم والحرفيون والأسر المنتجة ومنظمو الرحلات، إلى جانب فرص العمل التي يمكن أن تنشأ حول المواقع الأثرية.

الاستثمار السياحي يحتاج إلى رؤية علمية

ويمثل الاستثمار في المناطق الأثرية أحد الملفات التي تحتاج إلى توازن دقيق بين الحفاظ على القيمة التاريخية للموقع وتحقيق عائد اقتصادي مستدام.

ومن هنا تأتي أهمية إشراك كليات الآثار والسياحة والهندسة والاقتصاد في وضع الخطط الاستثمارية، بما يضمن عدم تحول التنمية السياحية إلى عامل ضغط على المواقع التراثية.

ويمكن أن تتجه الاستثمارات إلى المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية، من خلال إنشاء فنادق صغيرة وبيوت ضيافة ومراكز للحرف اليدوية والمطاعم التراثية ومراكز الزوار، مع استخدام تقنيات حديثة في تقديم المعلومات للزائر.

وبذلك تصبح السياحة وسيلة لحماية التراث وتمويل صيانته، بدلًا من أن تمثل الزيادة في أعداد الزائرين تهديدًا للمواقع التاريخية.

السياحة الثقافية فرصة لتنويع الاقتصاد العراقي

يمثل تطوير السياحة الأثرية فرصة مهمة أمام العراق لتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن القطاعات التقليدية، خاصة أن السياحة الثقافية تتمتع بميزة مهمة تتمثل في قدرتها على جذب شرائح مختلفة من المسافرين، من السياح المهتمين بالتاريخ والآثار إلى الباحثين والطلاب والمصورين والمهتمين بالتراث العالمي.

كما أن السائح الثقافي عادة لا يكتفي بزيارة موقع واحد، وإنما يبحث عن مسار متكامل يربط بين عدد من المواقع، وهو ما يفتح الباب أمام تصميم برامج سياحية تمتد لعدة أيام وتشمل محافظات ومناطق مختلفة.

وهذا يتطلب تطوير شبكة من المسارات السياحية التي تربط المواقع الأثرية الكبرى، بدلًا من التعامل مع كل موقع باعتباره وجهة منفصلة.

الجامعات.. قاعدة البيانات الجديدة للسياحة

ويعد التعاون بين الجامعات والجهات الحكومية فرصة لإنشاء قاعدة بيانات متخصصة حول المواقع الأثرية، تتضمن حالتها الإنشائية، وأهميتها التاريخية، وقدرتها الاستيعابية، وحجم الطلب السياحي المحتمل، ومتطلبات التطوير.

كما يمكن توظيف التقنيات الرقمية في إنشاء خرائط تفاعلية للمواقع، وإتاحة الجولات الافتراضية، واستخدام تقنيات الواقع المعزز لإعادة تصور المدن والمباني التاريخية كما كانت في عصورها المختلفة.

وهذه الأدوات لا تخدم السائح فقط، وإنما تساعد المستثمر وصانع القرار على تحديد الأولويات وتقدير الاحتياجات قبل ضخ الأموال في مشروعات التطوير.

تأهيل المواقع يبدأ بالإنسان

ولا تقتصر عملية تطوير السياحة الأثرية على المباني والمواقع، إذ يمثل العنصر البشري أحد أهم عناصر نجاح التجربة السياحية.

ومن هنا يمكن للجامعات العراقية أن تصبح مركزًا لتأهيل المرشدين والعاملين في المواقع والمتاحف، وتطوير برامج تدريبية في إدارة الزوار، واللغات، والتسويق السياحي، وإدارة التراث، والاستدامة، والتعامل مع السياحة الدولية.

كما يمكن إقامة شراكات مع الجامعات والمؤسسات الدولية المتخصصة في إدارة المواقع التراثية، بهدف نقل الخبرات العالمية وتطبيقها بما يتناسب مع خصوصية المواقع العراقية.

السياحة.. جسر بين التراث والتنمية المحلية

ومن أبرز المكاسب المحتملة لتطوير السياحة الأثرية أن تمتد عوائدها إلى المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع.

فإشراك السكان في تقديم الخدمات السياحية وبيع المنتجات والحرف التقليدية وتنظيم التجارب الثقافية يمكن أن يحول الموقع الأثري إلى محرك اقتصادي محلي.

كما أن إشراك المجتمع في حماية التراث يزيد من إحساسه بقيمة الموقع وأهميته، ويحول السكان من مجرد مستفيدين من الحركة السياحية إلى شركاء في الحفاظ على المقومات التي تجذب الزائرين.

العراق أمام فرصة تاريخية

ويؤكد الاجتماع الذي استضافته جامعة بابل أهمية استمرار التنسيق بين الجامعات والمؤسسات الحكومية والهيئة العامة للآثار والتراث لتأهيل المواقع الأثرية، ووضع رؤى أكثر تكاملًا لتطوير السياحة الثقافية.

والتحدي الحقيقي أمام العراق خلال المرحلة المقبلة لن يكون في اكتشاف قيمة تراثه، فهذه القيمة معروفة عالميًا، وإنما في تحويل هذا التراث إلى تجربة سياحية حديثة وآمنة ومستدامة، قادرة على المنافسة واستقطاب الزائر والاستثمار في الوقت نفسه.

فالعراق يمتلك ما تبحث عنه كثير من الوجهات السياحية: قصة حضارية استثنائية، ومواقع مرتبطة بتاريخ الإنسانية، وتراثًا متنوعًا، ومجتمعات محلية تمتلك الكثير من عناصر الثقافة الأصيلة.

ويبقى المطلوب هو بناء المنظومة التي تحول هذه الثروة الحضارية إلى صناعة سياحية متكاملة، تبدأ من الجامعة ومراكز البحث، مرورًا بجهات الآثار والحكومة، وتنتهي عند الفندق وشركة السياحة والمطعم والحرفي والمجتمع المحلي.

وعند نجاح هذه المعادلة، لن تكون السياحة الأثرية مجرد وسيلة لتعريف العالم بحضارات العراق القديمة، بل يمكن أن تصبح أحد مفاتيح الاستثمار والتنمية وخلق فرص العمل وإعادة وضع العراق على خريطة السياحة الثقافية العالمية.

إقرأ أيضاً :

جامعة الأقصر تعلن فتح باب التقدم للدراسات العليا بكلية السياحة والفنادق

شاهد أيضاً

إعصار دولفين يواصل إرباك السفر في الصين ويلغي ألف رحلة على السواحل

إعصار دولفين يواصل إرباك السفر في الصين ويلغي ألف رحلة على السواحل

كتبت – مروة السيد : ضرب إعصار «دولفين» الساحل الشرقي للصين، أمس الأحد، في واحدة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *