كتبت – مروة الشريف – وكالات : في خطوة تتجاوز حدود التعاون الإداري التقليدي، فتحت محافظتا البحر الأحمر وجنوب سيناء مسارًا جديدًا يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل السياحة والاستثمار الفندقي في اثنتين من أهم المناطق السياحية في مصر، بعد توقيع بروتوكول توأمة استراتيجية بين المحافظتين لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات في مجال «مدن التعلم».
وشهد الدكتور وليد البرقي، محافظ البحر الأحمر، واللواء إسماعيل محمد كمال، محافظ جنوب سيناء، مراسم توقيع البروتوكول بمقر ديوان عام محافظة البحر الأحمر بمدينة الغردقة، فيما وقعت البروتوكول نيابة عن المحافظين ماجدة حنا، نائب محافظ البحر الأحمر، والدكتورة إيناس سمير، نائب محافظ جنوب سيناء.
ورغم أن الاتفاق يحمل عنوانًا معرفيًا وتنمويًا، فإن انعكاساته المحتملة على القطاع السياحي تبدو أكثر اتساعًا، خاصة أن البحر الأحمر وجنوب سيناء تمثلان مركزين رئيسيين لصناعة السياحة المصرية، وتضمان مجموعة من أهم المقاصد الفندقية والترفيهية والبيئية والبحرية في البلاد.
الاستثمار في الإنسان.. بوابة جديدة للسياحة
يمثل العنصر البشري أحد أهم محددات قدرة المقصد السياحي على المنافسة، فالفندق أو المنتجع لا يبيع غرفة فقط، وإنما يبيع تجربة متكاملة تبدأ من الاستقبال وتمتد إلى الإقامة والخدمات والترفيه والنقل والأنشطة البحرية والبيئية.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم «مدن التعلم» بالنسبة للمحافظتين؛ إذ يستهدف البروتوكول تنمية المهارات والقدرات البشرية، وتبادل الخبرات المؤسسية، وتوفير فرص تعلم وتدريب أكثر مرونة، بما يمكن أن يتحول إلى قاعدة جديدة لإعداد كوادر مؤهلة للعمل في الفنادق وشركات السياحة والمطاعم والنقل والأنشطة البحرية.
وأكد محافظا البحر الأحمر وجنوب سيناء أن الاستثمار في الإنسان يمثل أحد أهم ركائز التنمية، مشددين على أهمية التكامل وتبادل التجارب الناجحة ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
من الغردقة إلى شرم الشيخ.. سوق عمل سياحي واحد
وتمنح التوأمة بين المحافظتين فرصة لتصميم برامج تدريبية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية، خاصة في ظل التشابه الكبير في طبيعة الاقتصاد المحلي واعتماده على السياحة والخدمات.
فالمهارات المطلوبة للعاملين في الغردقة ومرسى علم وسفاجا، تتقاطع في جوانب عديدة مع احتياجات سوق العمل في شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا، بدءًا من اللغات الأجنبية وخدمة العملاء والضيافة، وصولًا إلى التسويق الرقمي وإدارة المنشآت السياحية والأنشطة البحرية والسياحة البيئية.
وقد يمثل ذلك أساسًا لإنشاء منظومة إقليمية لتأهيل العمالة السياحية، تسمح بتبادل الخبرات والمدربين والبرامج التدريبية بين المحافظتين.
المهارات الرقمية تدخل صناعة السياحة
التحول الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من صناعة السفر والفنادق، سواء في الحجز الإلكتروني أو إدارة علاقات العملاء أو التسويق عبر المنصات الرقمية أو تحليل سلوك السائح.
وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد محافظ جنوب سيناء على تنمية المهارات المهنية والرقمية أهمية خاصة، بالتوازي مع دعم ريادة الأعمال.
فالسائح الحديث لا يبحث فقط عن الفندق، وإنما عن تجربة رقمية متكاملة تشمل الحجز والدفع والتواصل واختيار الأنشطة والتقييم والمشاركة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وبالتالي، فإن تأهيل الشباب في مجالات التكنولوجيا والتسويق الرقمي يمكن أن يخلق جيلًا جديدًا من رواد الأعمال القادرين على تقديم خدمات سياحية مبتكرة، خصوصًا في السياحة البيئية والمغامرات والرحلات البحرية والمنتجات التراثية.
ريادة الأعمال.. تحويل التراث إلى منتجات سياحية
وتفتح الشراكة كذلك الباب أمام توظيف التعلم المستمر في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالسياحة.
فالمحافظتان تمتلكان ثروات طبيعية وثقافية يمكن تحويلها إلى منتجات سياحية ذات قيمة مضافة، من الصناعات اليدوية والمنتجات البدوية إلى الرحلات البيئية وتجارب الحياة المحلية والأنشطة البحرية.
ويمكن لبرامج ريادة الأعمال أن تساعد أبناء المجتمعات المحلية على الانتقال من مجرد العمل في المنشآت السياحية إلى تأسيس مشروعاتهم الخاصة، بما يوسع قاعدة المستفيدين من النمو السياحي.
السياحة البيئية في قلب التعاون
ويحمل البروتوكول بعدًا آخر يرتبط بالحفاظ على البيئة والتراث، وهو عنصر شديد الأهمية بالنسبة لمستقبل السياحة في البحر الأحمر وجنوب سيناء.
فالشعاب المرجانية والمحميات الطبيعية والجبال والوديان تمثل أصولًا سياحية لا يمكن تعويضها، ومن ثم فإن تدريب العاملين والمجتمعات المحلية على أساليب الحفاظ عليها يمثل استثمارًا طويل الأجل في المنتج السياحي نفسه.
كما أن انتشار ثقافة التعلم البيئي يمكن أن يدعم انتقال المقصدين من نموذج السياحة التقليدية إلى نموذج أكثر استدامة، يعتمد على حماية الموارد الطبيعية بالتوازي مع تحقيق العوائد الاقتصادية.
فرصة للاستثمار الفندقي والسياحي
ولا يتوقف تأثير «مدن التعلم» عند سوق العمل، بل يمكن أن يمتد إلى مناخ الاستثمار نفسه.
فالمستثمر السياحي يبحث عن أكثر من الأرض والموقع؛ إذ يهتم بتوافر العمالة المدربة والبنية الأساسية والقدرة على توفير الخدمات واستدامتها.
ومن ثم، فإن وجود منظومة محلية مستمرة لتطوير المهارات يمكن أن يمثل عامل جذب إضافيًا للاستثمارات الفندقية والسياحية الجديدة، خاصة في المناطق التي تشهد توسعات عمرانية وسياحية متسارعة.
كما يمكن أن تدعم الشراكة بين المحافظتين إنشاء برامج متخصصة بالتعاون مع المستثمرين والفنادق، بحيث تصبح احتياجات سوق العمل جزءًا من منظومة التدريب، وليس منفصلًا عنها.
«مدن التعلم».. استثمار في القدرة التنافسية للمقصد
وأكد محافظ البحر الأحمر أن التوأمة تمثل خطوة نوعية نحو تطبيق مفهوم «مدن التعلم» داخل المحافظات الساحلية، بما يتيح توفير فرص تعلم وتدريب مرنة وشاملة تساعد المواطنين على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.
أما محافظ جنوب سيناء فأكد أهمية ترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة، وتنمية المهارات المهنية والرقمية ودعم ريادة الأعمال، إلى جانب الحفاظ على التراث البيئي والثقافي.
وتكشف هذه الرؤية أن البروتوكول يمكن أن يتحول من اتفاق لتبادل الخبرات إلى منصة تنموية ذات تأثير مباشر على صناعة السياحة، إذا جرى ربط برامج التدريب باحتياجات الفنادق وشركات السياحة والمطاعم وشركات النقل والأنشطة الترفيهية والبيئية.
وفي النهاية، فإن المنافسة بين المقاصد السياحية لم تعد قائمة فقط على جمال الشواطئ أو عدد الغرف الفندقية، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة المقصد على إنتاج الخبرة السياحية المتكاملة.
ومن هذه الزاوية، قد يكون التعاون بين البحر الأحمر وجنوب سيناء بداية لتجربة أكثر طموحًا: تحويل المحافظتين إلى مراكز تعلم سياحي مفتوحة، يصبح فيها الاستثمار في الإنسان جزءًا من الاستثمار في الفندق والمقصد والمنتج السياحي، بما يعزز قدرة مصر على المنافسة في سوق السياحة الإقليمية والدولية.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر