كتبت – مروة الشريف : تحولت الشعيرية سريعة التحضير، المعروفة باسم «النودلز»، إلى خيار شائع لدى كثير من المسافرين، خصوصًا خلال الرحلات الطويلة والإقامة في الفنادق أو الشقق الفندقية، باعتبارها وجبة سهلة وسريعة ولا تحتاج إلى وقت طويل في الإعداد. إلا أن سهولة تناولها لا تعني بالضرورة ملاءمتها كنمط غذائي متكرر، خاصة بالنسبة للمسافرين الذين يحتاجون إلى الاهتمام بنظامهم الغذائي خلال الرحلات.
وحذر الدكتور سيف جراح، استشاري الأمراض الباطنة والشيخوخة في جامعة «جنيف» بسويسرا، من الإفراط في تناول الشعيرية سريعة التحضير، مشيرًا إلى أن مكوناتها قد تمثل عبئًا على صحة الكلى، خصوصًا لدى الأشخاص الأكثر عرضة لمشكلات ضغط الدم وأمراض الكلى.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت أصبحت فيه الوجبات السريعة والمصنعة جزءًا من نمط السفر الحديث، إذ يلجأ إليها بعض المسافرين بسبب ضيق الوقت أو ارتفاع تكلفة تناول الطعام خارج أماكن الإقامة، بينما قد يستهلكها آخرون باعتبارها خيارًا اقتصاديًا خلال الرحلات.
وجبة اقتصادية.. لكن ماذا عن قيمتها الغذائية؟
وتكمن المشكلة الرئيسية، بحسب التحذير الطبي، في أن النودلز ليست مجرد وجبة سريعة التحضير، وإنما غالبًا ما تحتوي على مستويات مرتفعة من الصوديوم والدهون والمكونات المضافة.
ويُعد الصوديوم تحديدًا أحد العناصر التي تستحق الانتباه، إذ إن تناول عبوة واحدة من بعض الأنواع قد يوفر نسبة كبيرة من الكمية اليومية الموصى بها، وهو ما يجعل تكرار تناولها خلال الرحلات أمرًا يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر.
ويزداد الأمر أهمية بالنسبة للمسافر الذي يقضي أيامًا طويلة خارج المنزل، حيث قد يجتمع تناول النودلز مع أطعمة أخرى مرتفعة الملح، مثل الوجبات الجاهزة والمعلبات والوجبات السريعة، بما يرفع إجمالي استهلاك الصوديوم خلال اليوم.
السفر يضاعف الحاجة إلى الاختيارات الغذائية الذكية
ولا ترتبط أهمية التغذية أثناء السفر بالشكل أو الوزن فقط، وإنما تؤثر بصورة مباشرة في قدرة المسافر على الاستمتاع برحلته.
فالإكثار من الأطعمة شديدة الملوحة والمصنعة قد لا يكون الخيار الأفضل ضمن نظام غذائي متوازن، خاصة مع تغير مواعيد النوم وتراجع النشاط البدني لدى بعض المسافرين، فضلًا عن اختلاف العادات الغذائية خلال الإجازات.
ومن هنا، فإن اختيار الطعام أثناء السفر أصبح جزءًا من مفهوم «السياحة الصحية»، الذي لم يعد يقتصر على المنتجعات العلاجية والمراكز الطبية، وإنما يمتد إلى العادات اليومية للمسافر، بداية من الطعام والشراب وحتى النشاط البدني والنوم.
الفنادق أمام فرصة لتعزيز السياحة الصحية
وتفتح هذه القضية بابًا أمام الفنادق والمنشآت السياحية لتطوير مفهوم أوسع للضيافة الصحية.
فمع تزايد اهتمام المسافرين بجودة الطعام ومكوناته، يمكن للفنادق تقديم خيارات سريعة وصحية بديلة للوجبات المصنعة، مثل الشوربات منخفضة الصوديوم، والسلطات، والفواكه، والحبوب الكاملة، والوجبات الخفيفة المتوازنة.
كما يمكن للشقق الفندقية ومنشآت الإقامة التي توفر مطابخ صغيرة أن تلعب دورًا مهمًا في تشجيع السائح على إعداد وجبات بسيطة وطازجة بدلًا من الاعتماد المتكرر على الأطعمة الجاهزة.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بتقديم قوائم غذائية معقدة أو مرتفعة التكلفة، وإنما بتوفير بدائل عملية تناسب طبيعة المسافر واحتياجاته.
النودلز ليست ممنوعة.. وإنما الاعتدال هو الأساس
ولا يعني التحذير الطبي أن تناول النودلز مرة واحدة أو على فترات متباعدة يؤدي بالضرورة إلى الإصابة بمشكلات في الكلى.
لكن القضية الأساسية تتمثل في الاعتماد المتكرر عليها كوجبة أساسية، خصوصًا مع غياب التنوع الغذائي.
ولهذا يظل الاعتدال وتنويع مصادر الغذاء من أهم القواعد التي ينبغي مراعاتها، مع تقليل الأطعمة شديدة الملوحة والمصنعة قدر الإمكان.
وبالنسبة للأشخاص الذين لديهم أمراض كلى أو ضغط دم أو عوامل خطر صحية، فإن التعامل مع هذه الأطعمة يجب أن يكون أكثر حذرًا، ووفقًا لتوصيات الطبيب المعالج، لأن الاحتياجات الغذائية تختلف من شخص إلى آخر.
السياحة الصحية تبدأ من حقيبة السفر
وتكشف هذه القضية عن جانب غير تقليدي في صناعة السفر؛ فالسائح الذي يهتم بصحته لا يبدأ التخطيط من الفندق والطائرة فقط، وإنما من اختياراته الغذائية طوال الرحلة.
وقد يكون من المفيد للمسافر تجهيز بعض الوجبات الخفيفة الأقل تصنيعًا في حقيبته، واختيار الفواكه والمكسرات غير المملحة والمنتجات الطازجة عندما تكون متاحة، مع الاهتمام بشرب المياه بصورة مناسبة وفق احتياجاته الصحية وتعليمات الطبيب إذا كان يعاني من حالة مرضية.
كما يمكن لوكالات السفر وشركات السياحة إدخال مزيد من الخيارات الصحية ضمن برامجها، خصوصًا في الرحلات الطويلة وبرامج كبار السن والسياحة العلاجية والعافية.
من «وجبة سريعة» إلى مؤشر على جودة تجربة السفر
وفي النهاية، لا تتعلق قصة النودلز بالكلى وحدها، وإنما تكشف عن تحول أكبر في صناعة السفر: المسافر أصبح أكثر اهتمامًا بتفاصيل تجربته الصحية، وليس فقط بمكان إقامته أو عدد المزارات التي يزورها.
ومن هنا، تستطيع الفنادق والمطاعم وشركات السياحة تحويل الاهتمام بالتغذية الصحية إلى عنصر تنافسي، عبر تقديم وجبات عملية ومتوازنة، وتوضيح مكوناتها، وتوفير بدائل تناسب مختلف الاحتياجات الغذائية.
فالسفر الناجح لا يقاس فقط بعدد الصور والوجهات التي يزورها السائح، وإنما بقدرته على العودة من رحلته بصحة جيدة وطاقة أفضل.
والنودلز قد تظل حلًا سريعًا في حقيبة المسافر، لكن الأفضل ألا تتحول من «وجبة طوارئ» إلى نظام غذائي دائم.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر