كتب – أحمد رزق : يكشف الاكتشاف الأثري الجديد في منطقة تل أبو صيفي بالقنطرة شرق عن فصل جديد من تاريخ الحدود الشرقية لمصر، لا يقتصر على فك ألغاز موقع أثري قديم، وإنما يفتح الباب أمام إعادة تقديم المنطقة كمنتج متكامل للسياحة الثقافية والأثرية، وربطها بخريطة أوسع لمسار طريق حورس الحربي الذي كان يمثل أحد أهم طرق الحركة العسكرية والتجارية في مصر القديمة.
وتكتسب نتائج موسم الحفائر الحالي أهمية استثنائية، بعدما كشفت البعثة الأثرية المصرية عن عناصر معمارية ولقى أثرية جديدة، من بينها عتب ضخم من عصر الملك رمسيس الثاني، وشواهد تحمل اسم المعبود «حورس سيد مدينة مسن»، بما يعزز فرضية ارتباط تل أبو صيفي بالمدينة المصرية القديمة المفقودة «مسن».
ويعيد هذا الكشف تسليط الضوء على القنطرة شرق وشمال سيناء باعتبارهما منطقة تمتلك مقومات يمكن أن تتجاوز السياحة التقليدية المرتبطة بالمواقع الأثرية الشهيرة، لتدخل بقوة إلى نطاق السياحة الاستكشافية وسياحة الطرق التاريخية والسياحة الثقافية المتخصصة.
طريق حورس.. منتج سياحي قابل لإعادة الاكتشاف
أكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن النتائج الجديدة تمثل إضافة مهمة إلى جهود الوزارة للكشف عن تاريخ المواقع الأثرية بشمال سيناء ومنطقة القنطرة، مشيرًا إلى الدور الاستراتيجي والحضاري الذي لعبته المنطقة في حماية الحدود الشرقية لمصر عبر العصور.
ومن منظور سياحي، فإن أهمية الاكتشاف تتجاوز القطع الأثرية التي تم العثور عليها؛ فكل كشف جديد على امتداد طريق حورس يضيف حلقة إلى سلسلة تاريخية يمكن توظيفها مستقبلاً في تصميم مسار سياحي أثري متكامل يربط بين المواقع والتحصينات والمعابد والمحطات القديمة.
وهنا تظهر فرصة مختلفة أمام صناعة السياحة المصرية، تتمثل في الانتقال من نموذج «الموقع المنفرد» إلى نموذج المسار السياحي التاريخي، بحيث يصبح الطريق نفسه منتجًا سياحيًا، وليس مجرد وسيلة للوصول إلى أحد المعابد.
رمسيس الثاني يعيد كتابة هوية الموقع
ومن أبرز نتائج الموسم العثور على نصف عتب علوي ضخم من الحجر الرملي، مكسور إلى جزأين، ويحمل نقوشًا من ثلاث جهات تتضمن ألقاب الملك رمسيس الثاني، إلى جانب نص يشير إلى أعمال ترميم تم تنفيذها لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن».
وتحمل هذه القطعة قيمة كبيرة بالنسبة للباحثين، لأنها تقدم دليلًا جديدًا يمكن أن يساعد في تحديد هوية الموقع وعلاقته بالمدينة القديمة التي لا يزال موقعها موضع بحث ودراسة.
كما أن ارتباط الموقع بعصر رمسيس الثاني يمنحه قدرة أكبر على جذب المهتمين بتاريخ الدولة الحديثة، خاصة أن السياحة الثقافية العالمية تشهد طلبًا متزايدًا على التجارب التي تقدم للزائر قصة تاريخية متكاملة بدلًا من مجرد مشاهدة الآثار.
معبد.. حصن.. ثكنات ومحجر
وتكشف نتائج الحفائر عن قصة تحول استثنائية للموقع عبر آلاف السنين.
فالبعثة استكملت الكشف عن سور ضخم من الطوب اللبن، يضم بوابات وغرفًا داخلية وطبقات مختلفة، وتبين من الدراسات أنه يمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد وليس المعبد نفسه، وهو ما يصحح بعض التفسيرات السابقة لعناصر الموقع.
كما عُثر على طريقين حجريين متعاقبين يؤديان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد؛ أولهما يعود إلى العصر البطلمي، بينما يعلوه طريق روماني أقل اتساعًا.
وكشفت الحفائر عن غرف تخزينية في الناحية الشمالية وغرف خدمية أوسع جنوبًا، وصولًا إلى منطقة قدس الأقداس التي تعرضت للهدم في أواخر العصر الروماني.
هذه الطبقات المتعاقبة تمنح الموقع ميزة سياحية مهمة، لأنه لا يحكي قصة عصر واحد، وإنما يقدم أمام الزائر رحلة زمنية تمتد من الحضارة المصرية القديمة إلى العصرين البطلمي والروماني.
منطقة عسكرية تكشف قيمة الاستثمار السياحي
وتؤكد اللقى المكتشفة الطبيعة الاستراتيجية للموقع، ومن بينها جزء من تمثال من حجر الشست يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين لكاتب في الجيش، يحمل ناووسًا مكسورًا، إلى جانب تمثال فاقد الرأس والقدمين، وجذع تمثال ملكي من البازلت، وأجزاء من تماثيل صقور من البازلت والحجر الجيري.
وتشير هذه المكتشفات إلى أن تل أبو صيفي لم يكن مركزًا دينيًا فقط، وإنما كان جزءًا من منظومة أمنية وعسكرية مرتبطة بالحدود الشرقية.
وهذه الخاصية تفتح المجال أمام نمط سياحي متخصص يمكن تسميته «سياحة التاريخ العسكري»، وهو منتج يمكن تطويره من خلال الجمع بين المواقع الأثرية والتحصينات القديمة والطرق العسكرية، وتقديمها في برامج ثقافية وتعليمية تستهدف السائح المتخصص والباحثين وطلاب الجامعات.
البطلميون والرومان يضيفون قيمة جديدة
بلغ المعبد ذروة ازدهاره المعماري خلال العصر البطلمي، قبل أن يعاد استخدام أجزاء من الموقع لإنشاء ثكنات عسكرية «Castrum» خلال القرن الثالث الميلادي.
ثم شهد الموقع تحولًا أكثر جذرية في أواخر العصر الروماني، عندما أصبح محجرًا لإنتاج الجير، حيث كشفت البعثة عن فرنين دائريين ضخمين أقِيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، واحتويا على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق.
ومن الناحية السياحية، فإن هذا التعدد في استخدام الموقع يمكن أن يصبح أحد عناصر قوته، إذ يتيح تقديم تجربة توضح كيف تغيرت وظيفة المكان مع تغير القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية التي حكمت مصر.
القنطرة شرق أمام فرصة سياحية جديدة
ولا تتوقف أهمية الكشف عند حدود علم الآثار، إذ يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو وضع القنطرة شرق وشمال سيناء على خريطة السياحة الثقافية بصورة أكثر وضوحًا.
فالمنطقة يمكن أن تستفيد مستقبلًا من تطوير خدمات الزائرين، ومراكز التفسير الأثري، والمسارات المؤمنة، واللوحات التعريفية، ومراكز الزوار، وربط المواقع بشبكة طرق ونقل مناسبة، إلى جانب تشجيع إقامة أنشطة سياحية وخدمات ضيافة تلائم طبيعة السياحة الثقافية.
كما يمكن أن تستفيد المجتمعات المحلية من هذه الحركة من خلال الصناعات والحرف اليدوية والمنتجات التراثية والمرشدين المحليين والخدمات المرتبطة بالنقل والإقامة والمطاعم.
وبذلك يتحول الكشف الأثري من إنجاز علمي إلى رافعة للتنمية السياحية والاستثمار المحلي.
مدينة «مسن».. اكتشاف قد يغير الخريطة
وتدعم نتائج الموسم الحالي، إلى جانب ما سبق الكشف عنه، فرضية ارتباط تل أبو صيفي بمدينة «مسن» التي ورد ذكرها في النصوص والمصادر المصرية القديمة خلال عصر الدولة الحديثة.
لكن الحسم النهائي لموقع المدينة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الحفائر والدراسات، وهو ما يجعل المواسم المقبلة ذات أهمية كبيرة ليس فقط للباحثين، وإنما لصناعة السياحة التي يمكن أن تستفيد من أي تطورات جديدة في تحديد هوية الموقع.
وفي انتظار اكتمال الصورة، يثبت تل أبو صيفي أن الحدود الشرقية لمصر لا تختزن تاريخًا عسكريًا فقط، وإنما تمتلك مقومات منتج سياحي جديد يجمع بين الآثار والدين والتاريخ العسكري والطرق القديمة والتنوع الحضاري.
ومع استمرار أعمال التنقيب والتوثيق، قد يتحول طريق حورس من فصل في كتب التاريخ إلى مسار سياحي مصري جديد، يعيد اكتشاف شرق البلاد ويضيف وجهة مختلفة إلى خريطة السياحة الثقافية والاستثمار السياحي في مصر.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر