كتبت – مروة الشريف : تتحرك محافظة الغربية نحو إعادة صياغة ملف المخلفات باعتباره قضية تتجاوز حدود النظافة والخدمات اليومية، لتصبح جزءًا من منظومة أوسع ترتبط بجودة الحياة وجاذبية المدن وفرص الاستثمار الأخضر، في خطوة يمكن أن تنعكس بصورة غير مباشرة على السياحة الداخلية والاستثمار والخدمات المرتبطة بها، خاصة مع سعي الدولة إلى تحسين الصورة الحضارية للمحافظات وتعزيز مقومات التنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، عقدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، اجتماعًا مع اللواء الدكتور علاء عبد المعطي، محافظ الغربية، لمناقشة إجراءات إحكام منظومة إدارة المخلفات بالمحافظة، والارتقاء بمستوى النظافة وتحسين الوضع البيئي والحفاظ على المظهر الحضاري، بحضور ياسر عبد الله، رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات، وعدد من قيادات الوزارة والمحافظة.
ويمثل تطوير منظومة المخلفات أحد الملفات التي يمكن أن ترفع القيمة الاقتصادية والسياحية للمحافظات، إذ لم تعد جودة البيئة عنصرًا خدميًا فقط، وإنما أصبحت من محددات تنافسية المدن وقدرتها على جذب الاستثمارات، خاصة الاستثمارات المرتبطة بالسياحة والفنادق والمطاعم والخدمات الترفيهية، إلى جانب المشروعات العقارية والتجارية.
واستعرض الاجتماع الوضع التنفيذي لمنظومة إدارة المخلفات بالغربية، وخطط تطويرها، وموقف مشروعات البنية الأساسية، وفي مقدمتها المحطتان الوسيطتان في زفتى وسمنود، والمدفن الصحي الآمن للمخلفات بالسادات، المقام على مساحة 100 فدان ومقسم إلى 8 خلايا لدفن المخلفات البلدية.
كما تناول الاجتماع موقف عقود الإدارة المتكاملة لمصنع دفرة لمعالجة المخلفات بطاقة 700 طن يوميًا بالتعاون مع شركة «زيرو كاربون»، ومصنع المحلة بالتعاون مع شركة «سيمكس» بطاقة 550 طنًا يوميًا، إلى جانب مناطق الخدمة الخاصة بجمع ونقل المخلفات وحجم التراكمات الموجودة في المواقع العشوائية.
وتبرز أهمية هذه المشروعات من زاوية الاستثمار السياحي في كونها تساهم في تحسين البيئة المحيطة بالمدن والطرق والمناطق ذات النشاط التجاري والخدمي، بما يرفع مستوى الجاذبية العامة للمحافظة ويخلق بيئة أكثر ملاءمة للمشروعات التي تعتمد على جودة المكان، سواء كانت فنادق أو مطاعم أو منشآت ترفيهية أو مشروعات خدمية.
وناقشت الوزيرة آليات السيطرة على التراكمات العشوائية في عدد من المناطق، ومنها مقالب القمامة العشوائية بكفر الزيات وقطور، موجهة بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع استمرارها أو تجددها، بما يحافظ على المظهر الحضاري للمحافظة ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والزوار.
وفي رؤية تتجاوز الحلول التقليدية، وجهت الدكتورة منال عوض بسرعة دراسة والتواصل مع الشركات التي تمتلك خبرات في معالجة المخلفات بطرق غير تقليدية، للاستفادة منها في التعامل مع الكميات المتولدة من محافظتي الغربية والمنوفية والتي تتجاوز الطاقة التشغيلية لمنشآت المعالجة، إلى جانب بحث معالجة المخلفات الناتجة عن جهاز تنمية مدينة السادات الجديدة.
وتحمل هذه الخطوة فرصة مهمة لخلق نموذج اقتصادي جديد يقوم على تحويل المخلفات من عبء تشغيلي إلى مورد يمكن استثماره، سواء من خلال التدوير أو المعالجة أو إنتاج الطاقة أو إعادة استخدام بعض مكونات المخلفات، وهو اتجاه يتوافق مع التوسع العالمي في مفهوم الاقتصاد الدائري والاستثمار الأخضر.
كما تستهدف هذه الإجراءات إطالة العمر التشغيلي لمدفن السادات الصحي، خاصة في ظل محدودية الأراضي المتاحة للدفن وارتفاع كميات المخلفات، وهو ما يجعل التوسع في المعالجة والتدوير وتقليل الكميات المتجهة إلى المدافن ضرورة اقتصادية وبيئية في الوقت نفسه.
ومن أبرز التوجيهات التي يمكن أن تحدث تغييرًا ملموسًا في مستوى النظافة بالمحافظة، إشراك الجمعيات الأهلية في القرى والمراكز في إدارة خدمات الجمع المنزلي، بما يخلق شراكة مباشرة بين الأجهزة المحلية والمجتمع المدني في التعامل مع المخلفات من نقطة إنتاجها.
وتتيح هذه الآلية فرصة لتحسين كفاءة الجمع، والحد من إلقاء المخلفات في الترع والمصارف والمناطق غير المخصصة، فضلًا عن توفير فرص عمل محلية مرتبطة بخدمات الجمع والنقل والفرز والتدوير.
ولا يقتصر العائد المحتمل على تحسين البيئة فقط، إذ إن إحكام منظومة المخلفات في القرى والمدن يمكن أن يدعم ظهور أنماط جديدة من السياحة الداخلية المرتبطة بالريف والتراث والمناطق التاريخية، خصوصًا أن الغربية تمتلك مقومات يمكن البناء عليها في سياحة اليوم الواحد والسياحة الثقافية والتراثية.
كما أن تحسين المشهد الحضري على الطرق المؤدية إلى المدن والمواقع التاريخية والمناطق الريفية يمثل عنصرًا مهمًا في تحسين تجربة الزائر، خاصة أن الانطباع السياحي لا يتشكل داخل الفندق أو الموقع الأثري فقط، وإنما يبدأ منذ لحظة دخول السائح أو الزائر إلى المحافظة.
وفي هذا السياق، شددت وزيرة التنمية المحلية والبيئة على حرص الدولة على تحقيق إدارة مستدامة ومتكاملة للمخلفات للحفاظ على الصحة العامة والبيئة والمظهر الحضاري، مؤكدة أن تطوير المنظومة يمكن أن يحول الغربية إلى نموذج في الاستدامة البيئية من خلال التخلص الآمن من المخلفات وزيادة معدلات التدوير.
ووجهت بتشكيل لجنة مشتركة من جهاز تنظيم إدارة المخلفات والمحافظة لمتابعة تنفيذ المنظومة، واستمرار التنسيق وسرعة التعاقد مع القطاع الخاص لإدارة وتشغيل المدفن وتأهيل موقع المخلفات القديم.
ومن جانبه، أكد اللواء الدكتور علاء عبد المعطي أن المحافظة تعمل على تطوير منظومة متكاملة ومستدامة لإدارة المخلفات ورفع كفاءة مختلف مكوناتها، بما ينعكس على مستوى النظافة وجودة الخدمات، مشيرًا إلى استمرار جهود التعامل مع التراكمات التاريخية وتحسين الجمع والنقل والتخلص الآمن وإعادة التدوير.
وأوضح المحافظ أن ملف المخلفات لا يستهدف إزالة التراكمات بصورة مؤقتة، وإنما بناء منظومة تمنع عودتها وتعالج أسبابها من الأساس، مع استمرار المتابعة الميدانية والتنسيق مع وزارة التنمية المحلية والبيئة والجهات المعنية.
وتكتسب الإشارة إلى مشروعات تطوير منظومة المخلفات ومصرف كيتشنر أهمية خاصة، باعتبار أن تحسين البيئة المائية والحد من مصادر التلوث يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات جديدة في المناطق الواقعة على مسارات التنمية، ويدعم جودة الحياة ويزيد فرص إقامة مشروعات سياحية وترفيهية مستقبلية.
ومن منظور سياحي واستثماري، فإن نجاح الغربية في التحول من إدارة «مشكلة القمامة» إلى إدارة اقتصادية متكاملة للمخلفات يمكن أن يمنح المحافظة ميزة تنافسية جديدة؛ فالمستثمر السياحي يبحث عن بنية أساسية متكاملة، وبيئة نظيفة، وطرق ومناطق حضارية، وخدمات مستقرة، بينما يبحث الزائر عن تجربة مريحة تبدأ من الشارع وتمتد إلى الموقع السياحي.
وبالتالي، فإن الاستثمار في البنية التحتية البيئية لا يمثل إنفاقًا على النظافة فقط، وإنما استثمار طويل الأجل في صورة المحافظة وقدرتها على جذب الزوار ورؤوس الأموال، وخلق فرص عمل جديدة في قطاعات التدوير والمعالجة والخدمات البيئية.
وتضع هذه الرؤية ملف المخلفات في قلب معادلة التنمية السياحية المستدامة، بما يفتح الباب أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص والمجتمع المدني، ويحول أحد أكبر التحديات الخدمية إلى فرصة للاستثمار الأخضر وتحسين جودة الحياة وتعزيز قدرة الغربية على بناء منتج سياحي داخلي أكثر تنافسية واستدامة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر