كتب – أحمد رزق : في تحول مالي ومؤسسي لافت، يستعيد بنك الاستثمار القومي موقعه كأحد الأذرع التمويلية القادرة على دعم مشروعات التنمية، بعد أن نجح في التحول من الخسائر إلى تحقيق صافي ربح يناهز 6 مليارات جنيه خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بخسائر بلغت 31.7 مليار جنيه في العام المالي السابق، في خطوة تفتح الباب أمام دور أكثر فاعلية للبنك في تمويل مشروعات البنية الأساسية، ومن بينها المشروعات المرتبطة بالقطاع السياحي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لقطاع السياحة، الذي يرتبط نموه بصورة مباشرة بمدى توافر البنية التحتية والخدمات الأساسية اللازمة لإنشاء الفنادق والمنتجعات والوجهات السياحية الجديدة، خاصة في المناطق الواعدة التي تستهدف الدولة تحويلها إلى مراكز سياحية واستثمارية متكاملة.
وجاء الإعلان عن النتائج خلال اجتماع مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي برئاسة الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية ورئيس مجلس الإدارة، حيث جرى استعراض مؤشرات الأداء ومتابعة خطوات إعادة الهيكلة وتعزيز الدور التنموي والاستراتيجي للبنك.
من تسوية التشابكات إلى تمويل التنمية
ويأتي التحول المالي للبنك بالتزامن مع تقدم ملموس في ملف فض التشابكات المالية التاريخية مع الجهات الحكومية، إذ شهد يونيو 2026 توقيع اتفاقيتين إطاريتين لإنهاء مديونيات تاريخية تمتد جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي، بقيمة تتجاوز 196 مليار جنيه، شملت شركات تابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية.
ويمثل إغلاق هذه الملفات المالية خطوة مهمة لتحسين المركز المالي للبنك ورفع قدرته على توجيه موارده نحو دوره الأساسي باعتباره مؤسسة تمويلية ذات طابع تنموي، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على قطاعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة وطويلة الأجل، وفي مقدمتها السياحة.
فالتوسع السياحي في مصر لم يعد مرتبطًا ببناء الغرف الفندقية فقط، وإنما أصبح يعتمد على منظومة متكاملة تشمل الطرق والمطارات والمياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات والخدمات العامة، وهي مشروعات تحتاج إلى أدوات تمويل قادرة على التعامل مع أحجام استثمارية كبيرة وفترات استرداد طويلة.
البنية التحتية.. مفتاح الاستثمار السياحي
وتكتسب خطة بنك الاستثمار القومي المستقبلية أهمية خاصة مع توجهه إلى استحداث آلية لضمان تمويل مشروعات البنية الأساسية باستخدام أدوات تمويل مبتكرة، بالتعاون مع البنك الدولي ومؤسسات التمويل الدولية ووزارتي المالية والتخطيط والشركات التابعة للبنك.
ومن شأن هذا التوجه أن يفتح مجالاً أمام نماذج جديدة لتمويل المشروعات التي تمثل العمود الفقري للتنمية السياحية، سواء في المدن الساحلية أو المناطق الأثرية أو الوجهات الجديدة.
وتحتاج مشروعات التنمية السياحية، خاصة في المناطق الجديدة، إلى استثمارات ضخمة تتجاوز قدرة المستثمر الفردي، إذ إن إنشاء منتجع سياحي متكامل لا يبدأ من بناء الفندق، وإنما من توفير شبكة طرق ومرافق ومياه وطاقة وخدمات نقل واتصالات، بما يجعل تمويل البنية الأساسية عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات الخاصة.
ومن هنا يمكن أن يتحول بنك الاستثمار القومي، بعد استعادة توازنه المالي، إلى حلقة وصل بين التمويل التنموي والاستثمار السياحي الخاص، بما يساعد على تسريع تنفيذ المشروعات وخلق بيئة أكثر جاذبية أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
السياحة تحتاج إلى تمويل طويل الأجل
وتتميز الاستثمارات السياحية بطبيعتها طويلة الأجل، خصوصًا المشروعات الفندقية والمنتجعات والمراسي والمشروعات الترفيهية، وهو ما يجعل وجود مؤسسات تمويل تنموية قادرة على توفير أدوات مناسبة أمرًا مهمًا لاستدامة النمو.
كما أن زيادة الطاقة الفندقية المستهدفة في مصر خلال السنوات المقبلة تتطلب بالتوازي تطوير البنية الأساسية في المقاصد السياحية الجديدة والحالية، بما يضمن قدرة هذه المناطق على استقبال الأعداد المتزايدة من السائحين.
ومن المنتظر أن تكون الشراكات مع مؤسسات التمويل الدولية عاملًا مساعدًا في توفير خبرات وأدوات مالية جديدة يمكن توظيفها في مشروعات البنية التحتية، خاصة المشروعات التي تحقق عائدًا اقتصاديًا وتنمويًا على المدى الطويل.
196 مليار جنيه.. إغلاق صفحة وفتح أخرى
ولا يمثل ملف تسوية التشابكات المالية مجرد إجراء محاسبي، بل يمكن النظر إليه باعتباره جزءًا من إعادة بناء قدرة المؤسسات الاقتصادية الحكومية على أداء أدوارها بكفاءة أكبر.
وأكد الدكتور أحمد رستم استمرار مسار الهيكلة وتسوية الملفات المالية المعلقة، مشيرًا إلى المتابعة المستمرة من الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بما يعكس توجه الدولة نحو إغلاق ملفات التشابكات المالية وتعزيز كفاءة المؤسسات الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تبدو عودة بنك الاستثمار القومي إلى الربحية نقطة انطلاق أكثر منها محطة نهائية؛ فالأهمية الحقيقية للأرقام الجديدة ستتحدد بمدى قدرة البنك على تحويل تحسن مركزه المالي إلى أدوات تمويلية تدعم الاقتصاد الحقيقي والمشروعات الإنتاجية والتنموية.
فرصة جديدة أمام الاستثمار السياحي
ويملك القطاع السياحي فرصة للاستفادة من هذا التحول، خاصة إذا تم توجيه جزء من أدوات التمويل الجديدة إلى المشروعات التي ترتبط مباشرة بزيادة الطاقة الاستيعابية للمقاصد السياحية وتطوير البنية الأساسية اللازمة لها.
كما يمكن أن تسهم هذه الآليات في دعم مشروعات الفنادق الجديدة، ومشروعات السياحة الشاطئية، والمناطق ذات المقومات الأثرية والثقافية، إلى جانب مشروعات النقل والخدمات المرتبطة بالوجهات السياحية.
ولا يقتصر العائد هنا على المستثمر أو الفندق، فكل مشروع سياحي جديد يخلق سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية تشمل النقل والمطاعم والتجزئة والحرف والصناعات الغذائية والخدمات الترفيهية، فضلًا عن فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
من بنك يعالج الماضي إلى ذراع يمول المستقبل
ومع تكليف الأستاذة داليا مصطفى بمنصب القائم بأعمال نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لبنك الاستثمار القومي، خلفًا للأستاذ أشرف نجم، تتواصل عملية إعادة ترتيب الهيكل الإداري بالتوازي مع خطة التحول المؤسسي.
ويبقى التحدي الأهم خلال المرحلة المقبلة هو ترجمة التحسن المالي وتسوية التشابكات التاريخية إلى دور تمويلي أكثر تأثيرًا في مشروعات المستقبل.
وبالنسبة للسياحة المصرية، فإن نجاح هذا التحول قد يعني ظهور مصدر إضافي لتمويل البنية الأساسية اللازمة للتوسع الفندقي والسياحي، بما يدعم قدرة مصر على استيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد السائحين، ويفتح مناطق جديدة أمام الاستثمار، ويعزز تنافسية المقصد المصري.
وبذلك، لا تبدو الـ6 مليارات جنيه أرباحًا مجرد رقم في قوائم مالية، وإنما يمكن أن تمثل بداية لمرحلة جديدة يتحول فيها بنك الاستثمار القومي من مؤسسة منشغلة بإدارة ملفات مالية تاريخية إلى ذراع تمويلي قادر على المشاركة في صناعة خريطة التنمية السياحية والعمرانية في مصر.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر