كتبت – سها ممدوح : لم تعد موجات الحر الشديد في أوروبا مجرد ظاهرة مناخية عابرة تؤثر على أجواء العطلات، بل تحولت إلى تهديد مباشر لصناعة السياحة والسفر، مع خسائر بشرية واقتصادية غير مسبوقة، تفرض على الوجهات السياحية وشركات الطيران والفنادق إعادة النظر في خطط التشغيل والاستعداد للمواسم الصيفية المقبلة.
وقدّرت دراستان منفصلتان أن موجات الحر التي اجتاحت القارة خلال صيف 2026 ارتبطت بوفاة نحو 50 ألف شخص في المدن الأوروبية، فيما تسببت في خسارة ما يقرب من 17 مليار يورو، بما يعادل 0.17% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي خلال الفترة من أبريل إلى سبتمبر. وتزيد هذه الخسائر بنحو مرتين ونصف على متوسط الأضرار الاقتصادية المسجلة خلال الفترة نفسها من العقد السابق.
وتضع هذه الأرقام قطاع السياحة أمام اختبار صعب، خصوصًا أن الصيف يمثل موسم الذروة لعدد كبير من الوجهات الأوروبية، التي تعتمد على تدفقات الزوار الدوليين والرحلات الموسمية والإشغال الفندقي المرتفع. فارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات استثنائية قد يدفع بعض المسافرين إلى تغيير مواعيد رحلاتهم، أو البحث عن وجهات أقل حرارة، أو تفضيل السفر خلال الربيع والخريف بدلًا من أشهر الصيف.
وتشير البيانات المناخية الواردة في الدراسات إلى أن موجات الحر بدأت في مايو واستمرت حتى سبتمبر، مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة في غرب أوروبا بنحو 3 درجات مئوية مقارنة بمتوسط الصيف خلال الفترة من 1991 إلى 2020، فيما تجاوزت الحرارة هذه المستويات بما يصل إلى 12 درجة في بعض الأيام.
ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على راحة السائحين، بل تمتد إلى البنية التحتية التي يعتمد عليها النشاط السياحي، بعدما تسببت الحرارة والحرائق في تعطيل وسائل النقل، وتهديد المنازل والمنشآت، وارتفاع درجات الحرارة داخل المستشفيات، فضلًا عن أعطال طالت أنظمة التبريد والتكييف. وتمثل هذه التحديات أعباء إضافية على الفنادق والمنتجعات والمطارات، التي تحتاج إلى ضمان كفاءة التبريد واستمرارية الخدمات وسلامة العاملين والنزلاء خلال فترات الذروة الحرارية.
وتعزز الخسائر الاقتصادية المخاوف من انتقال تأثيرات تغير المناخ إلى تكلفة تشغيل المنشآت السياحية واستثماراتها، مع تزايد الحاجة إلى تحديث أنظمة التكييف، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتطوير خطط الطوارئ، وتأمين مصادر الكهرباء والمياه. وقد تصبح هذه المتطلبات عنصرًا أكثر تأثيرًا في قرارات الاستثمار الفندقي، خصوصًا في المناطق التي تتكرر فيها موجات الحر وحرائق الغابات.
وتكشف الدراسة التي قادها علماء من إمبريال كوليدج لندن، وشملت 854 مدينة في 30 دولة، أن نحو ثلثي الوفيات المرتبطة بالحر خلال الصيف ما كانت لتحدث لولا تغير المناخ، مقارنة بنحو 40% في موجات الحر عام 2003. كما أظهرت تقديرات اقتصادية انكماش الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا بنسبة 0.2% وألمانيا بنسبة 0.1% في الربع الثاني، بينما بلغ الانخفاض في إسبانيا 0.05%.
وفي ظل توقعات باستمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، قد يصبح التكيف المناخي عاملًا حاسمًا في تنافسية الوجهات السياحية الأوروبية، بما يشمل تطوير البنية التحتية وتوسيع خيارات الأنشطة الداخلية وتقديم معلومات دقيقة للمسافرين عن المخاطر الجوية. ومع أن الدراسات لا تحدد حجم الخسائر السياحية المباشرة أو تأثيرها على أسعار الرحلات والإقامة، فإنها ترسم صورة واضحة لتحدٍ متصاعد قد يعيد تشكيل خريطة السفر ومواسم الطلب في أوروبا خلال السنوات المقبلة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر