كتبت_شيماء رمضان: تواجه السياحة الفرنسية اختبارًا صعبًا مع تصاعد تداعيات موجة الاحتجاجات وأعمال الشغب التي شهدتها عدة مدن خلال أكتوبر الماضي، بعدما امتدت آثارها إلى الفنادق ووكالات السفر والمحال التجارية، لتثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الحجوزات والمواسم السياحية المقبلة، خاصة خلال عامي 2027 و2028.
وفي الوقت الذي كانت فيه مؤشرات القطاع تسجل بداية انتعاش ملحوظة مع مطلع أكتوبر، شهدت مؤسسات الإيواء ارتفاعًا بنحو 3% في معدلات الإشغال قبل اندلاع الاضطرابات، سرعان ما تبدلت الصورة مع تصاعد التوترات، ودخول السوق مرحلة من الحذر والتردد، انعكست في إلغاء بعض الحجوزات وتراجع الإقبال على الرحلات التي يجري التخطيط لها في اللحظات الأخيرة.
100 مليون يورو خسائر في يوم واحد
وعلى صعيد الخسائر الاقتصادية، كشفت تقديرات نقلتها صحيفة “إندبندنت عربية” عن حجم الضغوط التي تعرض لها القطاع، إذ بلغت الخسائر المباشرة الناجمة عن أعمال العنف في المناطق الحضرية نحو 100 مليون يورو في 17 أكتوبر وحده، وفق تقديرات ديدييه أرينو، المدير العام لشركة «بروتوريزم».
ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، إذ تشير التقديرات إلى أن إجمالي الأضرار التي طالت الأنشطة السياحية والمتاجر في مراكز المدن وصل إلى مئات الملايين من اليوروهات، وسط تحذيرات من احتمال ارتفاع خسائر الإيرادات إلى 1.5 مليار يورو خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة، حال امتداد التوترات إلى احتفالات نهاية العام، التي تمثل موسمًا حيويًا للفنادق والمطاعم والأنشطة التجارية.
الفنادق والمطاعم تدفع فاتورة الاضطرابات
وفي مشهد يعكس اتساع نطاق التأثير، لم تقتصر تداعيات الأحداث على إلغاء الحجوزات وتراجع الإيرادات، بل امتدت إلى أضرار مادية لحقت بعدد من الفنادق والمطاعم، شملت الواجهات الزجاجية والمداخل، لتضاعف الأعباء المالية على أصحاب المؤسسات.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع محدودية بعض التعويضات والتغطيات التأمينية، التي لا تشمل بالضرورة الخسائر الناتجة عن انخفاض النشاط التجاري أو الأرباح التي فقدتها المنشآت نتيجة تراجع أعداد الزوار.
تراجع الحجوزات وانخفاض أعمال منظمي الرحلات
وفي مؤشر واضح على انعكاس الاضطرابات على حركة السفر، سجلت حجوزات الرحلات انخفاضًا بنسبة 12.5% خلال عطلة عيد جميع القديسين، بينما كشفت باتريسيا لينو، رئيسة منظمة «فرانس دي إم سي ألاينس»، عن تراجع حجم أعمال المهنيين المنضوين تحت المنظمة بنسبة 30% خلال يوم السبت الذي أعقب الأحداث.
وامتدت حالة القلق إلى الأسواق السياحية الخارجية، حيث أبدى منظمو الرحلات الأميركيون تحفظات متزايدة بشأن تنظيم رحلات إلى فرنسا، بالتزامن مع صدور توصيات من ماليزيا وتايلاند تدعو مواطنيهما إلى توخي الحذر أو تأجيل السفر غير الضروري إلى البلاد.
باريس وبوردو وليل تحت ضغط تراجع الإنفاق السياحي
وعلى مستوى النشاط التجاري، أظهرت المؤشرات تراجعًا ملحوظًا في حركة الأسواق، إذ انخفض النشاط بنسبة 20% في باريس، وتجاوزت نسبة التراجع 40% في كل من ليل وبوردو، خلال السبت 24 أكتوبر مقارنة بالمعدلات المعتادة.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم التأثير الذي خلفته الاضطرابات على حركة الزوار والإنفاق، خاصة أن تراجع أعداد السياح لا ينعكس على الفنادق وحدها، بل يمتد إلى المطاعم ووسائل النقل والجولات السياحية ومراكز التسوق وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد السياحي.
السياح يعيدون ترتيب برامجهم ويختصرون الإقامة
وفي تحول لافت في سلوك الزوار الأجانب، بدأت تظهر مؤشرات على اتجاه بعض السياح إلى تقليص مدة إقامتهم في باريس إلى يوم أو يومين، بهدف زيارة أبرز المعالم السياحية، قبل الانتقال إلى مناطق أخرى أكثر هدوءًا، مثل بورغونيا ووادي الرون والريفييرا الفرنسية.
ويعكس هذا التوجه تغيرًا في قرارات السفر، بعدما أصبح الشعور بالأمان واستقرار الأوضاع عاملين أساسيين في اختيار الوجهة السياحية وتحديد مدة الإقامة والأنشطة التي يمكن للسائح الاستمتاع بها.
مخاوف من تداعيات طويلة الأمد على حجوزات 2027 و2028
وفي المقابل، لا تتوقف المخاوف عند الخسائر الحالية، إذ يحذر متخصصون من أن التأثير الأكثر خطورة قد يظهر خلال المواسم السياحية المقبلة، خاصة أن معدلات الإشغال المسجلة حاليًا تستفيد جزئيًا من حجوزات جرى تأكيدها وسداد قيمتها قبل أسابيع أو أشهر، بينما تواجه الحجوزات الجديدة تباطؤًا ملحوظًا.
ويرى المحلل جمال بن جميع أن تكرار الاضطرابات قد يضعف ثقة السياح الدوليين في الوجهة الفرنسية، مؤكدًا أن التجربة السياحية لا تتحدد فقط بمستوى الفنادق وجودة الخدمات، وإنما ترتبط أيضًا بالشعور بالأمان وسهولة التنقل والقدرة على زيارة المعالم السياحية دون عوائق.
استعادة ثقة السياح تحدٍ أمام القطاع الفرنسي
وفي ظل هذه التطورات، تجد السلطات الفرنسية والمهنيون العاملون في القطاع أنفسهم أمام تحدٍ يتجاوز احتواء الخسائر الآنية، ويتمثل في الحفاظ على مكانة فرنسا كواحدة من أبرز الوجهات السياحية العالمية.
وتبرز أهمية تأمين مسارات التنقل، وضمان استمرار فتح المواقع السياحية، وتوفير معلومات دقيقة وموثوقة لمنظمي الرحلات الدوليين، إلى جانب مساندة المؤسسات المتضررة، باعتبارها خطوات أساسية لاستعادة ثقة الزوار.
وتبقى قدرة فرنسا على احتواء تداعيات الاضطرابات واستعادة الاستقرار عاملًا حاسمًا في حماية تنافسيتها السياحية، ومنع تحول أزمة مؤقتة إلى تهديد طويل الأمد يؤثر على الحجوزات والاستثمارات ومعدلات إنفاق السياح خلال السنوات المقبلة.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر