كتب_أحمد زكي : تنوعت مظاهر الحياة الاجتماعية في بلاد النوبة تبعا لتنوع السکان وأصولهم وديانتهم، فکان التباين بين العادات والتقاليد في المجتمع النوبي کبيراً، حيث تمسك النوبيون الأصليون بعاداتهم وتقاليدهم الموروثة، ونتيجة لمصاهرة بينهم وبين العرب تأثر جزء منهم بالعادات والتقاليد الإسلامية، وعاش الشعب النوبي حياة بدائية بسيطة خالية من الترف والإسراف، واشتملت مظاهر الحياة الاجتماعية على جوانب مختلفة منها: المأکل، المشرب، الملبس، التزين، التشليخ، المآتم والأحزان، الأعياد.
تحمل المرأة لا سيما في المجتمعات الريفية على عاتقها مسؤولية مادية وغير مادية، فمنها وبها تتوارث الأجيال عادات وتقاليد المجتمع2، فالثقافة لا توجد إلا بوجود المجتمع، الذي تكون المرأة أول عناصره، والمجتمع لا يقوم ويبقى إلا بوجود الثقافة، التي هي في الأساس من صنع الإنسان، ومن هنا تتكون شخصيته وتحمل سماته3، وهذا ما أكده علماء الأنثروبولوجيا الثقافية في أن «الثقافة مسؤولة عن الجزء الأكبر من محتوى أي شخصية، وكذلك عن جانب مهم من التنظيم السطحي لها، وذلك من خلال تأكيدها على اهتمامات أو أهداف معينة»
الزواج علي الطريقة النوبية
كانت النوبة قديمًا منغلقة على نفسها وتعيش في عزلة اجتماعية، فكان يقتصر الزواج على داخل الأسرة فقط، وبعد ذلك أصبح من داخل القبيلة، فتلك عادات وتقاليد النوبة «بعض» فتيات الجيل الجديد المثقف في النوبة، لا يرغبن بالتجديد متأثرات في ذلك بالمعتقدات التي زرعت فيهن هذا المبدأ أو تلك العادة منذ نعومة أظفارهن، والكثيرات منهن يقتنعن بهذا المعتقد وتنشأ الفتاة النوبية على أن الشاب غير النوبي لن يصونها ، ولن يعطيها حقها كامرأة لها كرامتها وكيانها، وبالتالي إذا وجدت الفتاة النوبية أنه لم يتقدم لها شاب نوبي مناسب فإنها تفضل الحياة بدون زواج أو الانتظار طويلا حتى يأتي هذا العريس النوبي المناسب الذي يوافق مواصفاتها وشروطها يكثر هناك الزواج من داخل أفراد العائلة، فيتزوج الابن من ابنة عمه وهكذا، فهنا يكون مهر العروس أقل مما لو تزوجت من خارج أفراد العائلة، ولكن عندما يتقدم شاب غريب الى الفتاة النوبية، يقوم الأب باستشارة إخوته وأقاربه من كل الدرجات وإرسال خطابات إلى ساكني المناطق البعيدة منهم بغرض التأكد من أنه ليس لديهم أبناء في سن الزواج للارتباط بابنته بدلا من الغريب، ويتراوح سن الزواج في النوبة بالنسبة للذكر ما بين سن 18 و22 سنة، أما الفتاة فيتراوح ما بين 15و 20 سنة ويعد العريس «الجهاز والموبيليا»، وعلى عكس الشائع يكون مقدم الصداق أقل من مؤخره، ويتراوح بين خمسة جنيهات إلى 15 جنيها ويكون بين أسرتي العروسين في العادة اتفاق داخلي على مقدم الصداق وغيره9.
حفلات الزواج في النوبة القديمة، كانت تقام خلال فصل الصيف في الخلاء، والسبب في اختيار فصل الصيف لأن معظم الشباب الذين يعملون في المدن لا يحصلون على إجازاتهم الاعتيادية إلا في الصيف. وكانت احتفالات الزواج تستمر من خمسة عشر يوماَ إلى شهر، وتختلف بعض العادات وطقوس الزواج في النوبة من منطقة إلى أخرى، وتمر عملية الزواج بثلاث مراحل
المرحلة الأولى: احتفالات ما قبل الزواج: بيرجار «طلب اليد»، «أدسيمار أو الشيلة» بداية الإعداد الرسمي للزواج، ثم «كوفرية» وضع الحنة للعروسين قبل ليلة الزفاف.
المرحلة الثانية: هي احتفالات الزواج وتشمل: «باليه، أو أركنه» يوم الزفاف الرسمي.
المرحلة الثالثة: وهي احتفالات ما بعد الزفاف: «الصباحية» وهي اليوم التالي للزفاف ويشمل: «باركيد» (البركة) أو تيجر (الجلوس) ويحتفل بها في اليوم الثالث من الزفاف «كولود» كلمة نوبية بمعنى (سبعة) في الزواج يشير إلى نهاية الاحتفالات في اليوم السابع (ومنذ اليوم الأول للتقدم أو الخطوبة لا ينبغي أن يرى العريس العروس تحت أي ظرف من الظروف حتى يوم الزفاف (أدسيمار) هو اليوم الرسمي لبدء الإعداد لحفل الزفاف، ويأتي هذا اليوم قبل خمسة عشر يوماً أو شهر قبل الزفاف، وكانت تقوم القرية والقرى المجاورة بالمعاونة في الإعداد والتجهيزات وترسل امرأة من الخدم لإعلام المنطقة بموعد الاستعدادات للاحتفالات، فعندما تجتمع النساء والفتيات الصغيرات للعمل في هذا اليوم يقدم إليهن المديد (خليط من دقيق الذرة والسمن والعسل واللبن)، ويقدم «المديد» للعروس أولاً لأن هذا يرمز إلى الرخاء والسعادة المؤكد لها في الزواج. وتبادر أسرة العريس والعروس بتنظيم وترتيب احتفالات الزواج، وتتحمل أسرة العريس كل الأعباء المالية، فالعريس لا يشارك في تفاصيل التجهيزات، إلا أن العروس تشاهد طحن الدقيق الذي سوف يقدم طعاما أثناء الاحتفالات وكذلك صناعة الشعرية وإعداد الخبز وطلاء حجرات العروسين
في عيد الأضحى المبارك من كل عام يحرص العديد من أهالي النوبة على إقامة الأفراح والخطوبة وعقد القران، والذي استمر لمدة 7 أيام تم خلالها تقديم العادات والتقاليد المتعارف عليها داخل النوبة والتي يحرص فيها العروسان على اتباعها بنفس الشكل الذي كان يقوم بها أجدادهم للحفاظ على هذا التراث الأصيل
الشيلة
قبل الزواج بنحو أسبوع يرسل العريس هدية من الغلة والدقيق والشاي والسكر وكبريت وشحم وزيوت لدهان الشعر، وقبل الظهيرة يحمل أهل النجع، رجالًا ونساء، الشيلة على رؤوسهم ويتجهون بها إلى بيت العروس، ويحتفل أهل العروس بالشيلة ويذبحون ذبيحة لغداء حاملي الشيلة، وفي نفس اليوم يحدد يوم الدخلة والكتاب، وهي غالبًا بعد أسبوع من الشيلة عند الكنوز، وبذلك فإن طقوس الزواج عادة ما تتم خلال أسبوعين بعد الموافقة على الخطبة. والسرعة في إتمام الزواج غالبًا مرتبطة بمدة إجازة العريس، التي قد لا تزيد عن شهر، كما أن المدة إذا طالت قد تأتي بأخبار سيئة؛ كوفاة شخص في النجع أو في المهجر؛ مما يؤدي إلى تأجيل الزفاف أسبوعًا أو أسبوعين حسب سن وقرابة المتوفى، وفي مثل هذه الحالة قد يأذن أهل المتوفى بإقامة العرس، خاصة إذا كان محددًا لإقامته بعد يوم أو يومين منذ حدوث الوفاة، خوفًا على الأطعمة المعدة من الفساد — وهي كما نعلم مكلفة — وفي كورسكو لم تعد الشيلة طقسًا منفصلًا عن الدخلة وحفل الزفاف، ولذلك كانت تشتمل على أقمشة وملابس للعروس
ليلة الحناء:
قبل الدخلة بيوم، وتُسمى ليلة المولد عند بيت العريس؛ لأنها تشتمل على قراءة قصائد الطريقة المرغنية، وذكر بعد العشاء الذي يقدم فيه أهل العريس لحم ذبيحة، وتكتمل الليلة عند أهل العريس بالتصفيق والرقص، ويراعي الكنوز دائمًا انفصال الجنسين في هذه الاحتفاليات. أما عند العروس فالحنة تغطي كل جسمها ويدهن شعرها بالشحم والزيوت. وفي نفس اليوم تزور أضرحة المشايخ مع بنات من أصحابها، وتلبس شالًا مشابهًا للبس البنات، فهي بعد لم تنضم إلى فئة السيدات، وتحرص مجموعة البنات ألا يلتقين مع العريس الذي يزور المشايخ أيضًا مع جمع من أقرانه طلبًا للبركة13.
كانت ليلة تسبق ليلة الحناء وتسمى (تنجود يندبى)، وفيها يتم ذبح البقرة والماشية للوليمة، فيجتمع الضيوف في منزل العريس ليرقصوا ويشاهدوا ذبح الماشية، وبينما يقوم الجزارون بالذبح، يجلس الرجال مع العريس في ركن من أركان المنزل، وتتجمع النساء والفتيات معا في الجانب الآخر من المنزل، والغناء يعد من أهم السمات التي تميز هذه المناسبة، وكانت موضوعات الأغاني تركز على المدح المفرط لأسرة العروسين ويبدأ أحد الخدم في ليلة الحنة ووضع الحنة، بتسليم نقوط أم العروس إلى أم العريس في طبق عميق مصنوع من الخوص مليء بالشعرية وعليها أقماع من السكر، ثم تعيد أم العريس السلة بعد أن تملأها وتقوم أسرة العروس بتقديم كافه المخبوزات من المأكولات إلى منزل أهل العريس تعتبر نساء النوبة «الحنة» من الأدوات الرئيسية للتجميل ثم يأتي شاب أسمر اللون يرتدي جلبابًا أبيض يحمل في يده عصا صغيرة والجميع خلفه الرقص النوبي المميز والذي تقدمه الفرقة النوبية في أغلب الأحيان، ويظل الاحتفال عند العريس والعروس حتى شروق الشمس
يوم الزفاف
كانت تقوم النساء بطحن ما يقرب من مائة أو مائة وخمسين كيلوغراما من الدقيق والذرة يدويًا، وهذا لإعداد الخبز والشعرية، ثم يعد على حجر الرحى، ويستغرق الطحن من أربعة إلى ستة أيام (والشعرية طعام يشبه المكرونة الاسباجتى)، يأكلها النوبيون مع السمن واللبن في المناسبات مثل الموالد والأعياد والزواج، وإعداد مقر العروسين يعد من العناصر الأساسية في الزواج، حيث تقوم صديقات العروس بتزيين الحجرة وطلاء الجدران بمادة تميل إلى الاحمرار، مصنعة من المواد الخام المحلية، ثم يضعن السلال والأطباق الملونة والحصائر الملفوفة حول الحجرة، كما تعلق المرايا والأواني والصور وأحجبة العين الحسود على المعلقة (الشالوب)،
ويقوم الآباء والأقارب من الجيل القديم بإهداء معظم هذه الأشياء، أما الأطباق والحصائر فتصنعها وتقدمها الفتيات كهدايا زواج للعروسين، وكانت تعتبر من (الكرى) أي النقوط باللغة العربية وهي من شعائر الرابطة بين النوبيين، وتسجل هذه الهدايا التي قدمت حتى ترد في مناسبة مماثلة في المستقبل، فعدم الالتزام بهذه الواجبات يشكل إهانة بالغة ويؤدي إلى قطع الروابط الاجتماعية. ثم يجتمع الناس في منزل العريس لمدة خمسة عشرة ليلة ويرقصون من بعد الظهر وحتى منتصف الليل، وكلما اقترب يوم الزفاف اتسم الرقص بالحيوية والنشاط. ثم يتم الذبح
ويتم إعداد الطعام الذي يتناوله الضيوف في هذه الليلة، وطعام الوليمة التي تقام في اليوم التالي، ثم يقدم الطعام للضيوف الذين جاؤوا من أماكن بعيدة في هذه الليلة، أما أهل القرية والقرى المجاورة فيتناولون طعامهم في منازلهم، وإعداد مقر العروسين يعد من العناصر الأساسية في الزواج، حيث تقوم صديقات العروس بتزيين الحجرة وطلاء الجدران بمادة تميل إلى الاحمرار، مصنعة من المواد الخام المحلية، ثم يضعن السلال والأطباق الملونة والحصائر الملفوفة حول الحجرة، كما تعلق المرايا والأواني والصور وأحجبة العين الحسود على المعلقة (الشالوب)
ليلة العرس
وعند شروق الشمس يذهب أهل العريس والعروس في سرادق الفرح ويتم ذبح عجل كبير الحجم ويتم وضع دم العجل بعد النحر على جلباب العريس ثم تأتي العروس وهي ترتدي جلبابا نوبيا مميز الشكل واللون ثم يتم تقديم الغداء للحضور وهي عبارة عن فتة وتقدم في المضيفة ثم تذهب العروس إلى الكوافير لوضع اللمسات الأخيرة قبل الفرح.
وكذلك العريس يذهب للاستعداد ثم يأتي ويصطحب العروس من الكوافير وبصحبة فرقة نوبية ورقصات نوبية حيث يصطف أصحاب العريس على الجانبين ويحملون في أيديهم لافتات كتب عليها اسم العريس واسم القرية بشكل مبهج ثم يقوم الأطفال بحمل الورد حتى يتم دخول العروسين إلى قاعة الفرح.
من جانبه يقول العريس إنه حرص أن يكون زفافًا نوبياً وبالفعل حدث ذلك وتم ممارسة كافة العادات والتقاليد النوبية التي تربينا عليها، مشيراً إلى أن هذا يساهم بشكل كبير في الحفاظ على التراث النوبي الأصيل.
يتم حفل ليلة الزفاف عند أقارب العروس وجميع هذه الحفلات والولائم تكلف كل من العروسين الكثير خاصة وأنها تعتبر مجالا لعلو الصيت والتفاخر وحسن السمعة وإضفاء المكانة الاجتماعية العالية على الجماعتين القرابيتين للعروسين كلما ازدادت الولائم وكثر عدد الذبائح وكميات الأطعمة التي تقدم للمدعوين ويتمثل ذلك في حرص بعض القبائل على تخصيص ثور إلى جانب الخراف لاستخدام لحومها في الولائم، لذلك يؤلف «النقوط» مساهمة كبيرة في تخفيف التكاليف والنفقات التي تقع على عاتق أقارب كل من العروسين
وخاصة في النوبة الأصلية فقد كانت الولائم أكثر حجمًا فضلًا عن تلك الأعباء التي كانت تقع على عاتق أقارب العروسين لضيافة المدعوين من الأقارب وغير الأقارب الذين كانوا ينتقلون من النجوع التي يقيمون فيها إلى نجع العريس أو العروس، ويمكثون بضعة أيام وقد صار الاتجاه السائد لدى النوبيين تفضيل النقود عن السلع الاستهلاكية عند التهادي بمناسبة الزواج وغيرها من المناسبات وبالتالي كان حفل يوم الزفاف في الماضي يتميز بمظاهر معينة، وتبدأ بعدها مراسم حفل الزفاف بالتجمع أمام منزل العريس وتتحرك الزفة على الأقدام بالغناء والرقص إلى منزل العروس ويستمر الغناء والرقص النوبي حتى الصباح، وبعد انتهاء الفرح تأتي والدة العروس بسلطانية من اللبن ليشربها العريس قبل أن يذهب لعروسه
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر