وكالات: تأثرت السياحة في جزر المالديف وسيشل وسريلانكا بشكل كبير بسبب الحرب الأميركية-الإسرائيلية في الشرق الأوسط منذ مارس، مما أدى إلى تراجع الحجوزات بنسبة تصل إلى 22-33%. ارتفاع تكاليف الوقود وتأمين الطيران وزيادة مدة الرحلات أثرت سلباً على القطاع، مع توجه الفنادق لجذب السياح الآسيويين وتعزيز الخصومات.
اعتادت حديقة فضيل لطفي في جزر المالديف أن تستقبل في مثل هذا الوقت من العام، زواراً يهربون من برد أوروبا أو حرارة الشرق الأوسط.
عند الغروب، كان نزلاء فندقه الصغير المؤلف من خمس غرف يفترشون العشب تحت ظلال أشجار الموز والبابايا، لتناول العشاء معاً وتبادل الحكايات عن الجزر والمغامرات التي عاشوها خلال النهار.
يقول لطفي: “لطالما كانت حديقتنا مساحة اجتماعية نابضة بالحياة. أما اليوم، فتبدو هادئة وخاوية”.
فعائلته لم تستقبل أي ضيف منذ مغادرة مجموعة من السياح الإيطاليين في مارس، بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب في إيران.
أوضح لطفي أن الحجوزات والاستفسارات لدى النزل الذي يديره والذي تبلغ تكلفة الإقامة فيه 127 دولاراً لليلة الواحدة، تراجعت بشكل حاد، في مؤشر على أحد الآثار غير المباشرة للحرب الأميركية-الإسرائيلية في الشرق الأوسط، التي لا تُسلّط عليها الكثير من الأضواء.
فوجهات سياحية مثل المالديف وموريشيوس وسيشل وسريلانكا تعتمد إلى حد كبير على “طيران الإمارات” و”الاتحاد و”الخطوط الجوية القطرية” لجلب الزوار إلى شواطئها. لكن حركة المسافرين على متن هذه الخطوط الجوية تراجعت بعدما استهدفت إيران مراكزها الرئيسية في الخليج.
أما شركات الطيران الأخرى التي تسيّر رحلات إلى هذه الوجهات، فتضطر إلى الالتفاف حول مناطق النزاع، ما قد يطيل الرحلات القادمة من أوروبا بنحو ثلاث ساعات ويزيد استهلاك الوقود، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار التذاكر.
كما أضافت شركات التأمين علاوات مرتبطة بمخاطر الحرب على الطائرات التي تحلّق بالقرب من المناطق المتأثرة، وهي تكاليف تنتقل في نهاية المطاف إلى كاهل المسافرين.
أمام هذه التحديات، بدأت دول في المنطقة مراجعة اعتمادها على السياح القادمين من أوروبا والشرق الأوسط، في ظل المسافات الطويلة التي يقطعها هؤلاء، والمخاطر الناجمة عن الاضطرابات الجيوسياسية.
تراجعت أعداد السياح الوافدين إلى سيشل خلال مارس وأبريل بنحو الثلث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وفي سريلانكا، حيث انخفض عدد الزوار بنسبة 22% في أبريل، كثّف منظمو الرحلات الترويج للجزيرة في السوق الهندية، مستفيدين من الرحلات المباشرة التي لا تستغرق سوى بضع ساعات.
تقول شركة “إس إس آر ترافل سولوشنز” (SSR Travel Solutions) التي تنظم الإقامات والرحلات الترفيهية للباحثين عن الشمس والشواطئ في المنطقة، إن الحجوزات الواردة من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا هبطت إلى نصف مستوياتها المسجلة قبل عام.
وقال سيدهانت راو، رئيس التسويق في الشركة: “تمثل السوق الأوروبية أحد أبرز محركات الطلب، لكن الربط الجوي يتعرض لضغوط”. وأضاف أن بعض الفنادق “تحاول بيع غرفها بأسعار متدنية إلى حدّ أنها لم تعد تسعى حتى إلى تغطية تكاليفها، بل تركز فقط على الحد من الخسائر”.
في المالديف، تبدو المخاطر أعلى من أي مكان آخر. فالسياحة تسهم بما يقرب من 30% من النشاط الاقتصادي للبلاد، وتدرّ نحو 60% من إيرادات العملات الأجنبية. إلا أن نحو ثلث الزوار يمرون عبر مطارات الخليج في طريقهم إلى الأرخبيل، ما يعني أن أي اضطراب هناك يهدد بشكل مباشر آلاف الوظائف ومصادر الرزق.
استقبلت الدولة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 500 ألف نسمة، 2.25 مليون زائر العام الماضي، جاء نحو ثلثيهم من أوروبا. إلا أن بيانات حكومية أظهرت تراجع أعداد الوافدين بنسبة 22% خلال شهري مارس وأبريل مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وفي ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف الوقود بأكثر من 60% منذ فبراير، أوقفت شركة “بي أوند” (BeOnd)، المتخصصة في رحلات درجة رجال الأعمال بين المالديف وعدد من مدن أوروبا والشرق الأوسط، عملياتها.
يعني ذلك فقدان 10 رحلات أسبوعية كانت تجلب نحو 700 زائر إلى الأرخبيل، وهم من المسافرين القادرين على دفع نحو 7 آلاف دولار مقابل تذكرة ذهاب وإياب من أوروبا على متن الناقلة الفاخرة، وبطبيعة الحال، لن يكونوا من المسافرين الذين يبحثون عن خيارات إقامة اقتصادية.
تقول الفنادق والشركات السياحية بالمالديف إنها خسرت أعمالاً بنحو 500 مليون دولار منذ مارس، فيما تواجه العديد من دور الضيافة المحلية ووكالات السفر خطر الإفلاس، بحسب جمعيات تمثل قطاع السياحة في المالديف.
شركة “ترانس مالديفيان إيرويز” (Trans Maldivian Airways)، التي تشغّل رحلات الطائرات المائية وتشكل وسيلة الربط الرئيسية مع نحو 80 منتجعاً فاخراً، موزعة على أكثر من ألف جزيرة في الأرخبيل، تنقل نحو 2300 راكب يومياً حالياً، بانخفاض بنسبة 22% مقارنة بالعام الماضي.
وقال أيه يو إم فوزي، رئيس الشركة، إن العديد من المنتجعات نصف فارغة اليوم، فيما تراجع النشاط في بعضها بأكثر من 90%. وأضاف: “إذا توقفت شركات الطيران الدولية عن المجيء، فإن نهايتنا ستكون حتمية”.
اقرأ أيضاً: تايلندا تراهن على سياح الشرق الأوسط الأعلى إنفاقاً وسط ضغوط حرب إيران
تبحث الفنادق عن وسائل للحد من آثار التراجع في أعداد السياح. فقد بدأت بعض وكالات السفر بتقديم خصومات تصل إلى 35% على الغرف في فنادق في منتجع “دبليو مالديفز” (W Maldives) التابع لسلسلة فنادق “ماريوت إنترناشيونال” (Marriott International)، ومنتجع “أليلا كوثايفارو” (Alila Kothaifaru) التابع لفنادق “حياة”.
منتجع “صن سيام ريزورتس” (Sun Siyam Resorts) حيث سعر الإقامة في بعض الفيلات المشيدة فوق المياه الفيروزية تصل إلى 5 آلاف دولار لليلة الواحدة، أغلق أحد مطاعمه نتيجة انخفاض أعداد النزلاء.
أما شركة “إيكيبانا مالديفز” (Ikebana Maldives) المتخصصة في تنظيم الفعاليات، فتقول إن ما لا يقل عن 20% من حفلات الزفاف أُرجئت بسبب ارتفاع التكاليف وصعوبة حجز الرحلات الجوية. ويضيف أحد الزوار الدائمين أن بعض الفنادق أوقفت الرحلات البحرية في وقت الغروب التي كانت تقدمها مجاناً للنزلاء، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتراجع معدلات الإشغال.
تبدو الفنادق والمنتجعات الفاخرة أقدر على الصمود مقارنة بخيارات الإقامة الأقل تكلفة.
وتقول شركة “ماينور إنترناشيونال” (Minor International)، المشغّلة لمنتجعات راقية مثل “فيلا أنانتارا كيهافاه” (Anantara Kihavah Villas) و”نالادو برايفت آيلاند” (Naladhu Private Island)، إن معدلات الإلغاء ارتفعت منذ اندلاع الحرب، إلا أن الحجوزات للربع الثالث، الذي يتزامن مع انحسار الأمطار الموسمية وبداية موسم الذروة السياحي المشمس، لا تزال عند مستويات مماثلة للعام الماضي.
وقال ديليب راجاكارير، الرئيس التنفيذي للشركة: “أبرز ما تغير هو سلوك المسافرين عند الحجز، لا حجم الطلب الفعلي”. وأضاف: “قد يستغرق الضيوف وقتاً أطول قبل اتخاذ قرار السفر، لكنهم عندما يحجزون، يميلون إلى البقاء لفترات أطول”.
تعمل فنادق “ماريوت” التي تدير 11 فندقاً ومنتجعاً في المالديف، على استقطاب مزيد من المسافرين من آسيا، وهي شريحة لا تعتمد في العادة على المرور عبر مراكز النقل الجوي في الخليج العربي. فتروّج لأحد مطاعم منتجعها “سانت ريجيس مالديفز فومولي” (St. Regis Maldives Vommuli Resort) كوجهة بحد ذاته، حيث يقدم أطباقاً هندية عصرية على جزيرة خاصة تكسوها الغابات المطيرة وتحيط بها بحيرة شاطئية خاصة.
ساعدت هذه الاستراتيجية في جذب مزيد من الزوار من جنوب آسيا، رغم أن مدة إقامتهم تكون أقصر عادةً، إذ يكتفون ببضعة أيام بدلاً من أسبوع كامل.
وقال سيلفيو روزنبرغ، المسؤول عن أعمال “ماريوت” في المنطقة: “نلاحظ اهتماماً واعداً من مختلف أنحاء آسيا”.
وعلى أي حال، عودة السياح الأوروبيين إلى الوجهات الجزرية البعيدة لن تكون فورية، حتى في حال توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق سلام.
فشركات الطيران تحتاج إلى مؤشرات واضحة على تعافي الطلب وارتفاع الحجوزات، إضافة إلى قناعة بأن القيود والمخاطر الأمنية تراجعت بالفعل، قبل أن تعيد تشغيل أطقمها وتستأنف رحلاتها المجدولة، بحسب مايور باتيل، رئيس منطقة آسيا لدى شركة “أو إيه جي” (OAG) المتخصصة في بيانات السفر.
وقال باتيل: “من المستبعد أن يعود الربط الجوي بين ليلة وضحاها”. وأضاف “إعادة بناء شبكة الرحلات أكثر تعقيداً من مجرد إعادة الطائرات إلى الخدمة”.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر