كتبت – مروة السيد : في اكتشاف أثري جديد يفتح صفحة مهمة من تاريخ الحضارة المصرية القديمة، نجحت بعثة أثرية مصرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار في الكشف لأول مرة عن الاسم الحقيقي لمعبد القصر القديم بالواحات البحرية، وهو «إيب-ست» أو «مقر القلب»، منهية بذلك عقودًا من الجدل العلمي بين الباحثين والمؤرخين حول هوية هذا المعبد ودوره التاريخي في المنطقة.
ويعد هذا الكشف أحد أبرز الاكتشافات الأثرية في الواحات خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط لأنه حسم لغزًا تاريخيًا طال انتظاره، بل لأنه ألقى الضوء على مكانة الواحات البحرية كمركز ديني وإداري مهم ارتبط مباشرة بالدولة المصرية القديمة عبر عصور مختلفة.
وأعلنت وزارة السياحة والآثار أن البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع القصر القديم نجحت خلال موسم حفائرها الجاري في الكشف عن أجزاء جديدة من المعبد الذي يرجع في أساسه إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، حيث تم العثور على بقايا معمارية مهمة وكتل حجرية منقوشة تحمل أسماء وألقاب الملك بسماتيك الأول، إلى جانب مجموعة من القطع الأثرية التي ساعدت في استكمال الصورة التاريخية والمعمارية للموقع.
وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذا الاكتشاف يعكس حجم الكنوز الأثرية التي لا تزال تخبئها أرض مصر، مشيرًا إلى أن مثل هذه الاكتشافات تسهم في تعزيز مكانة مصر كواحدة من أهم الوجهات العالمية للسياحة الثقافية، كما تبرز كفاءة وخبرة الأثريين المصريين في الكشف عن أسرار الحضارة المصرية القديمة.
وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الحفائر كشفت عن عناصر معمارية جديدة داخل المعبد، من بينها بقايا حجرة مشيدة من الحجر الرملي، فضلًا عن كتل حجرية تحمل نقوشًا ملكية مهمة، الأمر الذي ساعد الباحثين على فهم أفضل لتاريخ المعبد ومراحل إنشائه وتطوره.
ملوك عظام شاركوا في بناء المعبد
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن المعبد بدأ تشييده خلال حكم الملك بسماتيك الأول، أحد أبرز ملوك الأسرة السادسة والعشرين، ثم استكملت أعماله خلال عهدي الملكين واح-إيب-رع المعروف باسم «إبريس» أو «أبريز»، والملك أحمس الثاني «أمازيس».
ويحظى الملك إبريس بمكانة خاصة في التاريخ المصري القديم، إذ يعد من أبرز الحكام الذين عززوا القوة العسكرية والبحرية لمصر. وتشير المصادر التاريخية إلى أنه قاد أساطيل بحرية قوية وخاض مواجهات مهمة في شرق البحر المتوسط، كما ارتبط اسمه بعدد من الآثار المهمة الموجودة في متاحف عالمية كبرى، من بينها متحف اللوفر والمتحف المصري.
كما سبق أن كشفت بعثة أثرية مصرية صينية في منطقة ميت رهينة عن آثار تعود إلى عهد الملك إبريس، من بينها عناصر معمارية وتماثيل غير مكتملة لأبي الهول، ما يعكس حجم النشاط العمراني والديني الذي شهدته مصر خلال فترة حكمه.
صالة أعمدة ونصوص مقدسة
ومن أبرز ما كشفت عنه الحفائر داخل معبد «إيب-ست» صالة الأعمدة الرئيسية التي تضم 16 عمودًا من الحجر الرملي، إلى جانب عدد من الحجرات والمقصورات الدينية المرتبطة بها. كما عثر الأثريون على نقوش هيروغليفية ومناظر دينية تحمل أسماء عدد من المعبودات المصرية القديمة، وعلى رأسها آمون رع وأمونت وخونسو.
وكشفت البعثة أيضًا عن لوحة حجرية تعود إلى عهد الملك أمنحتب الثاني من الأسرة الثامنة عشرة، تتضمن نصوصًا تؤكد ارتباط الواحات البحرية بالدولة المصرية منذ عصر الدولة الحديثة، فضلًا عن العثور على بقايا أثرية من عهد الملك رمسيس الثاني، وهو ما يشير إلى أن الموقع شهد نشاطًا دينيًا وعمرانيًا قبل قرون من تشييد المعبد الحالي.
حسم لغز الاسم الحقيقي
ويعد الكشف عن اسم المعبد الإنجاز الأبرز في هذا المشروع الأثري، حيث أوضح قطب فوزي، رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة، أن البعثة تمكنت من تحديد الاسم الحقيقي للمعبد لأول مرة من خلال ختم معدني تم العثور عليه داخل الموقع، ويحمل اسم «إيب-ست» الذي يعني «مقر القلب».
كما أسفرت الحفائر عن اكتشاف مجموعة مهمة من القطع الأثرية، من بينها تمثال للمعبود تحوت، وتمثال برونزي للمعبود أوزير، وتميمة للمعبود رع-حور-آختي، إضافة إلى رأس تمثال لكاهن أو مسؤول بارز، ومقصورة تخص الحاكم والكاهن المحلي «با-دي-إيزة» الذي لعب دورًا مهمًا في إدارة الواحات خلال العصر المتأخر.
موقع استمر لقرون طويلة
ولم تقتصر أهمية الموقع على العصر الفرعوني فقط، إذ كشفت أعمال التنقيب عن أدلة تؤكد استمرار استخدامه خلال العصرين اليوناني والروماني وحتى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، حيث تم العثور على نصوص قبطية ولاتينية وأوستراكات ومنشآت صناعية وأحواض استخدمت في إنتاج النبيذ والزيوت، إلى جانب مخازن ومرافق خدمية.
ويمثل موقع القصر القديم أحد أهم المواقع الأثرية في الواحات البحرية، حيث كان العاصمة القديمة للمنطقة خلال العصر المتأخر، كما لعب دورًا محوريًا في إدارة طرق التجارة والاتصالات بين وادي النيل والصحراء الغربية.
ويؤكد هذا الكشف أن الواحات المصرية لا تزال تحمل بين رمالها أسرارًا تاريخية كبرى، وأن أعمال التنقيب المستمرة قادرة على إعادة كتابة فصول جديدة من تاريخ مصر القديمة، وكشف المزيد من ملامح الحضارة التي ما زالت تبهر العالم حتى اليوم.
إقرأ أيضاً :
مطروح تستقبل 160 رحلة طيران شارتر منذ بداية موسم الصيف
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر