الرئيسية / قضايا وآراء / أحمد حلمي رزق يكتب السياحة المصرية لا تحتاج إلى شعارات بل إلى قرارات شجاعة

أحمد حلمي رزق يكتب السياحة المصرية لا تحتاج إلى شعارات بل إلى قرارات شجاعة

ليست كل التصريحات التي تصدر عن مسئولي القطاع السياحي تستحق التوقف عندها، لكن بعض التصريحات تحمل بين سطورها ملامح خريطة طريق كاملة لمستقبل صناعة تعد أحد أهم أعمدة الاقتصاد المصري. وهذا ما يمكن استخلاصه من الطرح الذي قدمه حسام الشاعر، رئيس اتحاد الغرف السياحية، خلال لقائه بجمعية الكتاب السياحيين.

فالرجل لم يتحدث عن التأشيرة الإلكترونية باعتبارها مجرد إجراء إداري جديد، ولم يتناول أزمة الطاقة الفندقية باعتبارها نقصًا في عدد الغرف، ولم يطالب بإعادة هيئة التنمية السياحية إلى وزارة السياحة باعتباره مطلبًا مؤسسيًا فقط، وإنما رسم معادلة متكاملة عنوانها: إذا كانت الدولة تستهدف 30 مليون سائح، فإن أدوات تحقيق هذا الهدف يجب أن تتغير بالكامل.

البداية من قرار تطبيق منظومة التأشيرة الإلكترونية الجديدة، والذي يعد من أهم القرارات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة لدعم السياحة. فالعالم لم يعد يقيس سهولة السفر بجمال المقصد فقط، بل بسرعة الوصول إليه. وكل دقيقة يقضيها السائح في إجراءات التأشيرة قد تدفعه لاختيار دولة أخرى.

ولهذا فإن تطبيق التأشيرة الإلكترونية لـ118 جنسية يمثل خطوة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف. فالمنافسة العالمية أصبحت تعتمد على “سهولة الدخول” بقدر اعتمادها على جودة المنتج السياحي. وإذا كانت دول عديدة تمنح التأشيرة خلال دقائق أو تعفي عشرات الجنسيات منها، فإن مصر مطالبة بمراجعة سياساتها باستمرار، مع الحفاظ بطبيعة الحال على الاعتبارات الأمنية والسيادية.

لكن السؤال الأهم هو: ماذا بعد زيادة أعداد السائحين؟

هنا تبرز القضية التي ربما تكون الأخطر، وهي الطاقة الفندقية.

عندما يتحدث رئيس اتحاد الغرف السياحية عن حاجة الساحل الشمالي وحده إلى نحو 80 ألف غرفة فندقية، فهو لا يطلق رقمًا للاستهلاك الإعلامي، بل يلفت الانتباه إلى فجوة حقيقية بين حجم الطلب المتوقع وقدرة السوق على الاستيعاب.

لقد نجح الساحل الشمالي خلال السنوات الأخيرة في التحول إلى أحد أكبر أسواق الاستثمار العقاري في المنطقة، لكنه لم يتحول بعد إلى مقصد سياحي عالمي بالمعنى الكامل. والفرق كبير بين مدينة تباع فيها الوحدات السكنية، ومدينة تستقبل ملايين السائحين على مدار العام.

فالفنادق هي التي تصنع الوجهة السياحية، وليس الأبراج السكنية.

ولهذا تبدو دعوة الشاعر لتخصيص الصفين الأول والثاني على البحر للفنادق والمنشآت السياحية أكثر منطقية إذا كانت الدولة تريد تعظيم العائد الاقتصادي من الساحل الشمالي، وتحويله إلى منافس حقيقي لمقاصد البحر المتوسط.

والواقع أن الاستثمار العقاري، رغم أهميته، يحقق عائدًا سريعًا للمطور، بينما يحقق الاستثمار السياحي عائدًا مستدامًا للدولة بأكملها. فالفندق لا يبيع غرفة مرة واحدة، بل يبيعها مئات المرات سنويًا، ويوفر فرص عمل، ويحرك النقل والطيران والمطاعم والأسواق والخدمات، ويولد تدفقات مستمرة من النقد الأجنبي.

ومن هنا جاءت مطالبة الشاعر بحوافز خاصة للاستثمار السياحي، لأن طبيعة هذا النشاط تختلف جذريًا عن الاستثمار العقاري.

أما الملف الثالث، فهو الأكثر حساسية، ويتعلق بمستقبل الاستثمار السياحي نفسه.

فالحديث عن إعادة هيئة التنمية السياحية إلى وزارة السياحة ليس مجرد تعديل إداري، بل يرتبط بفلسفة إدارة القطاع. فكلما توحدت جهة التخطيط مع جهة تخصيص الأراضي والتنفيذ، أصبحت القرارات أكثر سرعة ووضوحًا، وتراجعت البيروقراطية التي يشتكي منها المستثمرون منذ سنوات.

كما أن المطالبة بتوفير الأراضي بأسعار عادلة لا تعني تقديم امتيازات مجانية للمستثمرين، وإنما تعني الاعتراف بأن الفندق مشروع طويل الأجل، يحتاج إلى سنوات حتى يبدأ في استرداد تكلفته، على عكس المشروعات العقارية.

ولعل الرسالة الأهم في تصريحات رئيس اتحاد الغرف السياحية هي أن الدولة نجحت بالفعل في بناء شبكة طرق ومطارات وموانئ ومدن جديدة، لكن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في “المحتوى السياحي” نفسه؛ أي الفنادق، والمنتجعات، والخدمات، والكوادر البشرية، والتسويق، والتكنولوجيا، والتيسيرات.

فلا قيمة لاستهداف 30 مليون سائح إذا لم يجد هؤلاء السائحون غرفة يقيمون فيها، أو رحلة طيران مناسبة، أو إجراءات دخول مرنة، أو منتجًا سياحيًا قادرًا على المنافسة.

إن السياحة المصرية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية ربما لا تتكرر بسهولة. فالطلب العالمي على السفر يتزايد، ومصر تمتلك من المقومات الطبيعية والثقافية والأثرية ما يجعلها من أقوى المقاصد السياحية في العالم.

لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب الانتقال من مرحلة تطوير البنية الأساسية إلى مرحلة تطوير منظومة الاستثمار السياحي نفسها.

فالنجاح في السياحة لم يعد يقاس بعدد السائحين فقط، وإنما بسرعة اتخاذ القرار، وكفاءة الإدارة، وقدرة الدولة على خلق بيئة جاذبة للمستثمر قبل السائح.

وربما يكون هذا هو جوهر الرسالة التي حملتها تصريحات حسام الشاعر: السياحة ليست في حاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قرارات جريئة تواكب طموحات الجمهورية الجديدة، وتحول مصر إلى واحدة من أكبر الوجهات السياحية والاستثمارية في العالم.

شاهد أيضاً

مصر تستهدف زيادة الطاقة الفندقية 30 ألف غرفة في الساحل الشمالي بحلول 2030

الشاعر: الساحل الشمالي يحتاج 80 ألف غرفة فندقية وتحفيز الاستثمار السياحي

كتب – أحمد رزق : دعا حسام الشاعر، رئيس مجلس إدارة اتحاد الغرف السياحية، إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *