كتبت – مروة السيد : لم تعد أعداد السائحين أو نسب إشغال الفنادق وحدها هي المعيار الذي يقيس نجاح المدن السياحية، إذ كشفت دراسة دولية حديثة عن تحول جذري في معايير التنافس بين المقاصد العالمية، يعتمد على التأثير العاطفي والتفاعل الرقمي والانطباعات التي تتركها الوجهة في أذهان الزائرين، وهو ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد لتسويق المدن السياحية خلال السنوات المقبلة.
وأصدر مركز “يانونجا ريسيرش” بالتعاون مع جامعتي برديو الأمريكية وكيونغ هي الكورية المؤشر العالمي لجاذبية المدن السياحية لعام 2026، والذي شمل تقييم 200 مدينة حول العالم، استنادًا إلى تحليل ملايين المحادثات والمنشورات عبر منصات التواصل الاجتماعي بـ14 لغة، لرصد الصورة الذهنية والانطباعات الحقيقية لدى المسافرين.
ويختلف المؤشر الجديد عن التصنيفات التقليدية التي تعتمد على أعداد الزوار أو الإيرادات السياحية، إذ يقيس عنصرين أساسيين؛ الأول هو الوعي الإدراكي، أي مدى حضور المدينة في ذهن المسافر العالمي وسهولة التعرف عليها، والثاني هو الجاذبية العاطفية، التي تعكس حجم التجربة الإيجابية التي يعيشها الزائر واستعداده للتوصية بالمدينة للآخرين.
واعتمد الباحثون على تحليل 419 كلمة ومصطلحًا مرتبطًا بالسفر، مثل الفنادق، والطعام المحلي، والطبيعة، والمتاحف، والفنون، والأنشطة الثقافية، إلى جانب تقييم عناصر الضيافة، وجودة التجربة، والهوية البصرية، وهو ما يمنح صورة أكثر واقعية عن تنافسية المدن في سوق السياحة العالمية.
وأكد القائمون على الدراسة أن المدن الأكثر نجاحًا لم تعد بالضرورة الأكثر استقبالًا للسائحين، وإنما تلك التي تستطيع تحويل الزيارة إلى تجربة إنسانية وثقافية تظل عالقة في ذاكرة المسافر، بما يعزز التسويق غير المباشر عبر التوصيات الشخصية والمحتوى الرقمي.
ويحمل هذا التحول دلالات مهمة لصناعة السياحة العالمية، إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل قرارات السفر، حيث يعتمد ملايين السائحين على تجارب الآخرين قبل اختيار وجهاتهم، الأمر الذي يجعل السمعة الرقمية للمقصد السياحي عنصرًا لا يقل أهمية عن البنية التحتية أو الطاقة الفندقية.
ويرى خبراء السياحة أن نتائج المؤشر تقدم دروسًا مهمة للدول الساعية إلى زيادة حصتها من الحركة السياحية العالمية، إذ لم يعد الاستثمار في الفنادق والمنتجعات وحده كافيًا، بل أصبح من الضروري الاستثمار في صناعة التجربة السياحية الكاملة، بدءًا من سهولة الوصول، وجودة الخدمات، والفعاليات الثقافية، وحتى المحتوى الذي يشارك السائح تفاصيله عبر الإنترنت.
وبالنسبة لمصر، تمتلك المقومات التي تؤهلها لتحقيق مراكز متقدمة في مثل هذه المؤشرات، بفضل تنوع منتجاتها السياحية بين السياحة الثقافية والشاطئية والدينية والبيئية والعلاجية وسياحة المغامرات، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذه المقومات إلى تجارب متكاملة تعزز ارتباط الزائر بالمقصد المصري.
كما يؤكد متخصصون أن رفع جاذبية المدن المصرية لا يرتبط فقط بالمواقع الأثرية، وإنما يشمل تطوير المشهد الحضري، وتحسين الخدمات الفندقية، والاهتمام بالمطاعم والأسواق والأنشطة الليلية، وتسهيل التنقل، وإطلاق فعاليات دولية قادرة على إبقاء المدن المصرية حاضرة في الوعي العالمي طوال العام.
ومن المتوقع أن تصبح مؤشرات الجاذبية العاطفية والرقمية أحد أهم أدوات قياس أداء المقاصد السياحية خلال السنوات المقبلة، مع تصاعد المنافسة بين المدن على استقطاب السائح الباحث عن تجربة أصيلة وليست مجرد زيارة عابرة.
ويؤكد التقرير أن مستقبل السياحة لن تحسمه الحملات الدعائية التقليدية، بل ستقوده المدن التي تنجح في صناعة ذكريات لا تُنسى، وتجربة تستحق المشاركة والتوصية، وهو ما يجعل الاستثمار في جودة التجربة الإنسانية أحد أهم مفاتيح تعزيز تنافسية المقاصد السياحية عالميًا.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر