كتبت – مروة الشريف – وكالات : لم تعد حرارة الشمس وحدها هي العنوان الأبرز للعطلة الصيفية، بعدما بدأت موجات الحر القياسية في أوروبا تغير واحدة من أكثر العادات رسوخًا لدى المسافرين، وهي اختيار شواطئ البحر المتوسط لقضاء عطلات الصيف. ومع تكرار موجات الحرارة الشديدة وارتفاع مخاطر حرائق الغابات والازدحام، برز اتجاه سياحي جديد يعرف باسم «السياحة الباردة»، يدفع المسافرين شمالًا بحثًا عن طقس أكثر اعتدالًا وتجارب طبيعية مختلفة.
وتتحول دول مثل النرويج والسويد وفنلندا وآيسلندا تدريجيًا إلى مستفيدين من هذا التغير في سلوك السائح، بعدما أصبحت درجات الحرارة نفسها عنصرًا مؤثرًا في قرار السفر، إلى جانب السعر وجودة الفنادق وسهولة الوصول وتنوع الأنشطة.
السائح يهرب من الشمس إلى الطبيعة
خلال الصيف الحالي، بدأ عدد من السياح الأوروبيين والأميركيين إعادة النظر في وجهاتهم التقليدية، مفضلين الدول الإسكندنافية على بعض المقاصد الجنوبية التي اعتادوا زيارتها.
وتكشف تجارب نقلتها تقارير إعلامية عن تحول واضح في أولويات المسافرين؛ فبدلًا من البحث عن شاطئ شديد الحرارة، أصبح البعض يبحث عن بحيرة باردة أو غابة أو مضيق بحري أو مدينة شمالية توفر أجواء أكثر راحة خلال النهار.
وتعكس هذه التحولات تغيرًا في مفهوم «العطلة الصيفية» نفسه، فالسائح لم يعد بالضرورة يريد أعلى درجات الحرارة، وإنما يبحث عن القدرة على الاستمتاع بالوجهة دون أن تتحول الأجواء إلى عائق أمام الحركة والأنشطة الخارجية.
النرويج والسويد في دائرة الضوء
وتبدو النرويج واحدة من أبرز الدول المستفيدة من هذا الاتجاه، مستفيدة من طبيعتها التي تجمع بين الجبال والمضائق البحرية والغابات والبحيرات والقرى الساحلية.
وتؤكد هيئة الترويج السياحي النرويجية أن البلاد لطالما كانت مقصدًا للباحثين عن الأجواء الباردة، إلا أن تغير المناخ جعل هذا العامل أكثر حضورًا في قرار المسافر، مع تزايد الاهتمام بالوجهات الشمالية خلال أشهر الصيف.
ولا يتوقف الأمر عند النرويج، إذ تحظى السويد وفنلندا وآيسلندا باهتمام متزايد، مستفيدة من قدرتها على تقديم منتج سياحي مختلف يقوم على الطبيعة والمغامرة والهدوء والأنشطة الخارجية.
وبذلك يتحول الطقس من مجرد عامل طبيعي إلى ميزة تنافسية سياحية يمكن تسويقها واستثمارها.
تغير المناخ يدخل غرفة صناعة القرار السياحي
اللافت أن «السياحة الباردة» لا تمثل مجرد موضة جديدة على منصات السفر، وإنما تأتي في إطار تغير أوسع بدأت مؤسسات دولية رصد آثاره على خريطة السياحة العالمية.
فمع ارتفاع متوسط درجات الحرارة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، أصبح المناخ أحد العوامل التي تدخل بصورة متزايدة في حسابات المسافر وشركات السياحة ومنصات الحجز.
وتشير تحليلات اقتصادية وسياحية إلى أن المسافر قد يعيد اختيار وجهته إذا ارتفعت مخاطر الحرارة الشديدة أو حرائق الغابات أو عدم القدرة على ممارسة الأنشطة الخارجية بصورة مريحة.
وهنا تصبح الوجهات الأكثر اعتدالًا أمام فرصة لإعادة تقديم نفسها للسائح العالمي، ليس فقط خلال مواسمها التقليدية، ولكن طوال العام.
ضربة مزدوجة للجنوب الأوروبي
وفي المقابل، قد تفرض الظاهرة تحديات جديدة على بعض الوجهات المتوسطية، خاصة تلك التي تعتمد بصورة كبيرة على موسم الصيف والشواطئ.
فإسبانيا وإيطاليا واليونان وكرواتيا وغيرها لا تزال تمتلك قاعدة سياحية ضخمة وبنية فندقية متطورة ومطارات وشبكات نقل وتجارب سياحية متنوعة، ما يجعلها قادرة على الحفاظ على مكانتها.
لكن التحدي المستقبلي قد يتمثل في أن السائح الذي كان يحجز عطلته الصيفية قبل عام دون التفكير كثيرًا في درجات الحرارة، أصبح أكثر حساسية للطقس عند اختيار الوجهة.
ومن ثم، فإن ارتفاع الحرارة لفترات طويلة قد يدفع بعض الوجهات الجنوبية إلى إعادة التفكير في المنتج السياحي، وتوسيع الاستثمار في السياحة الثقافية والصحية والترفيهية الداخلية والمنتجعات التي توفر مساحات مظللة ومرافق مكيفة وتجارب يمكن ممارستها بعيدًا عن ساعات الذروة.
الفندق أمام فرصة جديدة
ويمثل انتشار «السياحة الباردة» فرصة استثمارية مهمة للقطاع الفندقي في شمال أوروبا.
فالزيادة في الطلب الصيفي تعني إمكانية رفع معدلات الإشغال خلال فترة كانت بعض المنشآت تنظر إليها باعتبارها موسمًا قصيرًا نسبيًا.
وقد يشجع ذلك المستثمرين على تطوير منتجعات طبيعية وفنادق صغيرة وبيوت ضيافة ومخيمات فاخرة ومنشآت سياحية مستدامة بالقرب من البحيرات والغابات والمناطق الجبلية.
كما يمكن أن تستفيد الفنادق من تنامي الطلب على السياحة القائمة على التجارب، مثل الرحلات الجبلية ومراقبة الحياة البرية والتجديف والرحلات البحرية ومراقبة الشفق القطبي في مواسمه، إلى جانب السياحة الريفية والاستشفائية.
وهكذا، فإن تغير المناخ الذي يمثل تحديًا للقطاع السياحي في بعض المناطق قد يتحول إلى محرك استثماري لمناطق أخرى.
«السياحة الباردة» قد تطيل الموسم السياحي
الميزة الأهم بالنسبة لدول الشمال الأوروبي أن الاهتمام بالطقس المعتدل لا يرتبط بالضرورة بشهر أو شهرين فقط.
فكلما ارتفعت حرارة جنوب القارة، أصبحت أشهر الربيع والصيف فرصة لجذب المزيد من الزوار إلى الشمال، بينما تمتلك هذه الدول منتجات سياحية شتوية قادرة على جذب المسافرين في الأشهر الباردة.
وهذا يفتح الباب أمام نموذج أكثر توازنًا في التشغيل الفندقي، بحيث لا يعتمد المستثمر على موسم صيفي قصير، وإنما على روزنامة سياحية متعددة المواسم.
من «البحث عن الشمس» إلى «البحث عن المناخ»
ربما يكون التحول الأهم أن المناخ بدأ ينتقل من خلفية غير مرئية في قرار السفر إلى عامل مباشر في اختيار الوجهة.
فالمسافر أصبح يسأل: كم تبلغ درجة الحرارة؟ هل يمكنني التجول خلال النهار؟ هل توجد حرائق غابات؟ هل هناك مخاطر من موجات الحر؟ وهل أستطيع الاستمتاع بالطبيعة دون التعرض لظروف جوية قاسية؟
وهذه الأسئلة تضع شركات السياحة أمام واقع جديد، يتمثل في ضرورة تطوير أدوات التنبؤ بالطلب وفق المتغيرات المناخية، وإعادة تصميم الحملات التسويقية لتبرز عناصر الراحة المناخية إلى جانب المعالم والخدمات.
هل تصبح «السياحة الباردة» قاعدة جديدة؟
رغم استمرار تدفق ملايين السياح إلى البحر المتوسط، فإن صعود الوجهات الشمالية يكشف عن تحول تدريجي في تفضيلات المسافرين.
وإذا استمرت موجات الحر الشديدة بالوتيرة الحالية، فمن المتوقع أن يصبح الطقس جزءًا أكثر أهمية من معادلة المنافسة السياحية، وأن تعيد شركات الطيران والفنادق ومنظمو الرحلات توزيع استثماراتهم وفق خريطة الطلب الجديدة.
وبذلك، قد لا تكون «السياحة الباردة» مجرد اتجاه مؤقت فرضته موجة حر، وإنما بداية إعادة توزيع جغرافية للطلب السياحي الأوروبي.
ففي الوقت الذي كان فيه السائح يبحث عن الشمس كي يشعر بأنه في عطلة، أصبح اليوم يبحث أحيانًا عن الظل والهواء البارد والطبيعة.
وهنا تتغير المعادلة: تغير المناخ لا يغير درجات الحرارة فقط، بل يعيد توزيع السياح والغرف الفندقية والاستثمارات السياحية على خريطة أوروبا.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر