كتبت – مروة الشريف – وكالات : في تحول قد يعيد رسم خريطة السياحة الصحية في مصر، بدأت الدولة الانتقال من التعامل مع العلاج باعتباره خدمة منفصلة إلى تقديمه كـتجربة سياحية متكاملة تبدأ قبل وصول المريض إلى مصر، وتمتد من اختيار المنشأة الطبية وحجز السفر إلى الإقامة الفندقية والتنقل والخدمات السياحية والمساندة، وصولًا إلى متابعة المريض بعد انتهاء رحلته العلاجية.
ويأتي إطلاق منصة Tour4Cure كأول منصة رقمية متكاملة للسياحة الصحية في مصر والشرق الأوسط وإفريقيا، ليضع التكنولوجيا في قلب استراتيجية الدولة الرامية إلى تحويل المقومات الطبية والاستشفائية والسياحية المصرية إلى منتج عالمي قابل للتسويق والوصول إليه من مختلف الأسواق.
فالمنصة، التي أطلقت على هامش الاجتماع الثالث للمجلس الوطني للسياحة الصحية، لا تستهدف جذب المريض فقط، وإنما تسعى إلى بناء منظومة اقتصادية كاملة حوله، تشمل المستشفيات والمراكز الطبية والفنادق وشركات الطيران والنقل والسياحة والتأمين والخدمات المساندة.
المريض يتحول إلى «سائح صحي»
الرهان الجديد يتمثل في إعادة تعريف السائح الصحي باعتباره عميلًا يحتاج إلى تجربة متكاملة، وليس مجرد مريض يبحث عن طبيب أو مستشفى.
ومن خلال المنصة، يمكن للمريض اختيار المنشأة الطبية المناسبة، واستكمال الإجراءات المرتبطة بالسفر، والحصول على الخدمات العلاجية والإقامة والانتقالات والخدمات المساندة، بما يختصر حلقات كانت تتم في السابق عبر جهات متعددة.
وهذا التحول يحمل أهمية كبيرة للقطاع السياحي، لأن رحلة العلاج غالبًا ما تمتد لفترة أطول من الرحلة السياحية التقليدية، وقد يصاحب المريض أفراد من أسرته، بما يضاعف الإنفاق على الفنادق والمطاعم والنقل والتسوق والخدمات السياحية.
وبالتالي، فإن نجاح السياحة الصحية لا يقاس فقط بقيمة الخدمة الطبية، وإنما بحجم الاقتصاد السياحي الذي يتشكل حول المريض ومرافقيه.
الفندق يدخل غرفة العمليات!
ومن أبرز القطاعات المرشحة للاستفادة من هذه المنظومة القطاع الفندقي، الذي يمكن أن يتحول من مجرد مقدم للإقامة إلى شريك أساسي في رحلة العلاج.
فالسائح الصحي يحتاج إلى غرف مجهزة للإقامات الطويلة، وخدمات غذائية مناسبة، ووسائل انتقال مريحة إلى المستشفى، إضافة إلى خدمات لمرافقي المرضى.
وهنا تظهر فرصة أمام المستثمرين لتطوير مفهوم جديد يمكن وصفه بـ**«الضيافة العلاجية»**، عبر فنادق وشقق فندقية بالقرب من المستشفيات والمراكز الطبية، تقدم باقات مصممة خصيصًا للمرضى ومرافقيهم.
كما يمكن للمنشآت الفندقية القائمة الدخول إلى هذا السوق من خلال اتفاقيات مباشرة مع المستشفيات والمنصة الرقمية، لتقديم أسعار وخدمات مخصصة للمرضى الدوليين.
الطيران.. شريك غير مباشر في السياحة الصحية
ولا ينفصل نجاح المنصة عن قدرة مصر على توفير ربط جوي قوي مع الأسواق المستهدفة.
فالمريض القادم من الخليج أو أفريقيا أو أوروبا يحتاج إلى رحلة سفر سهلة ومواعيد مرنة وربط سريع بين المطار والمنشأة الطبية أو الفندق.
ومن هنا، يمكن أن تصبح السياحة الصحية أحد العوامل الداعمة لزيادة حركة السفر إلى المطارات المصرية، خصوصًا مع استهداف أسواق خليجية وأفريقية وأوروبية.
وإذا نجحت المنصة في بناء تدفق مستمر للمرضى الدوليين، فإن شركات الطيران ومقدمي خدمات النقل الأرضي سيجدون أمامهم سوقًا جديدة ذات طبيعة مختلفة، تتميز بالإقامة الأطول والطلب الأكثر انتظامًا على الخدمات.
250 حالة تجريبية ورضا يتجاوز 90%
وتكشف نتائج التشغيل التجريبي الأولية عن مؤشرات مشجعة؛ إذ استقبلت المنصة نحو 250 حالة خلال المرحلة التجريبية، مع تسجيل معدل رضا تجاوز 90%، وفق ما أعلنته وزارة الصحة والسكان.
وتعطي هذه النتائج أهمية خاصة للمنصة، لأنها تشير إلى أن التحدي لم يعد في إطلاق التكنولوجيا فقط، وإنما في قدرتها على إدارة تجربة المستخدم وقياس مستوى الرضا وتحويل البيانات إلى قرارات لتحسين الخدمة.
وتعتمد Tour4Cure على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التفاعل مع المرضى وتحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار، بما يتيح تطوير التجربة بصورة مستمرة.
من «السياحة العلاجية» إلى صناعة قابلة للتصدير
الميزة الأهم في المشروع أن الدولة لا تتعامل مع السياحة الصحية باعتبارها نشاطًا محليًا محدودًا، وإنما كمنتج يمكن تصديره إلى الأسواق الدولية.
وتستهدف المنصة التوسع في أسواق أفريقيا والخليج وأوروبا، مع إمكانية التعاون مستقبلًا مع شركات التأمين العالمية.
وهذه الخطوة يمكن أن تغير طبيعة المنافسة؛ فبدل أن ينتظر المستشفى المريض القادم عبر وسيط أو شركة سياحة، يصبح بإمكان المريض الدولي الوصول إلى منظومة مصرية موحدة ومقارنة الخدمات واختيار المنشأة المناسبة واستكمال رحلته عبر قناة رقمية واحدة.
وهنا تتحول المنصة إلى أداة تسويق دولية للقطاع الصحي والسياحي في آن واحد.
الاستثمار أمام سوق جديدة
ومن منظور الاستثمار السياحي، يمثل المشروع فرصة تتجاوز إنشاء مستشفى أو فندق منفرد، لتفتح الباب أمام مشروعات تجمع بين الصحة والضيافة والسياحة والتكنولوجيا.
فالمستثمر يمكنه النظر إلى إنشاء منشأة طبية بجوار فندق، أو تطوير منتجع استشفائي، أو إقامة مركز للتعافي وإعادة التأهيل، أو إنشاء خدمات نقل متخصصة للمرضى، أو تطوير شركات لإدارة رحلات العلاج.
كما أن امتداد المنصة إلى مختلف المحافظات يتيح فرصة لتوزيع الاستثمارات بدلًا من تركيزها في القاهرة فقط.
وتملك مصر بالفعل مقومات متنوعة في هذا المجال، من المستشفيات والمراكز الطبية إلى مناطق الاستشفاء الطبيعي والعيون الكبريتية والمياه المعدنية، وهو ما يسمح ببناء منتجات متعددة بدلًا من الاعتماد على نموذج واحد.
المنصة تعيد توزيع الخريطة السياحية
ومن أهم التأثيرات المحتملة لـTour4Cure أنها قد تساعد على إعادة توزيع الحركة السياحية جغرافيًا.
فالسياحة التقليدية تتركز بدرجة كبيرة في المقاصد التاريخية والشاطئية، بينما يمكن للسياحة الصحية أن تفتح الباب أمام محافظات تمتلك منشآت طبية أو مقومات استشفائية متميزة، لكنها لا تحظى بالقدر نفسه من الحركة السياحية.
وإذا تم دمج هذه المقاصد ضمن منظومة رقمية واحدة، يصبح من الممكن تصميم رحلات تجمع بين العلاج والاستشفاء والسياحة الثقافية والترفيهية.
وهنا تتحول رحلة المريض من «زيارة طبية» إلى برنامج إقامة متكامل يمكن أن يضيف ليالي فندقية وينشط قطاعات النقل والمطاعم والتجزئة والأنشطة السياحية.
أمن البيانات.. شرط الثقة الدولية
لكن نجاح المشروع لن يعتمد على التكنولوجيا وحدها، فالسياحة الصحية ترتبط بأحد أكثر أنواع البيانات حساسية، وهي البيانات الطبية والشخصية للمرضى.
ولهذا يمثل الأمن السيبراني وحماية الخصوصية عنصرًا حاسمًا في قدرة المنصة على جذب المرضى الدوليين وشركات التأمين العالمية.
وتتولى شركة فيكسد مصر للحلول الرقمية وأمن المعلومات (FEDIS)، بالشراكة الفنية مع شركة حلول، تطوير وإدارة المنصة، مع التركيز على البنية الرقمية والاستضافة والأمن السيبراني وحماية بيانات المرضى.
ويمثل هذا الجانب أهمية خاصة في المنافسة العالمية، لأن المريض الدولي لا يبحث عن العلاج الجيد فقط، وإنما يريد أيضًا التأكد من أن بياناته الطبية وشخصيته وعملياته المالية محمية وفق أعلى المعايير.
«Tour4Cure».. بوابة جديدة للاستثمار السياحي
المغزى الأوسع لإطلاق Tour4Cure أن مصر تحاول الانتقال بالسياحة الصحية من مرحلة «امتلاك المقومات» إلى مرحلة «تسويق المقومات وإدارتها رقميًا».
فالمستشفيات موجودة، والأطباء موجودون، والمقومات السياحية والاستشفائية موجودة، لكن التحدي كان يتمثل في ربط هذه العناصر داخل منتج واحد يستطيع المريض الدولي الوصول إليه بسهولة.
وهنا تأتي المنصة لتؤدي دور «البوابة» التي تربط بين الطبيب والفندق والطائرة وشركة النقل والمنشأة السياحية وشركة التأمين.
وبقدر نجاح مصر في تحويل هذه البوابة إلى منظومة عالمية مفتوحة أمام مقدمي الخدمات، يمكن أن تتحول السياحة الصحية إلى أحد المنتجات الأعلى قيمة في القطاع السياحي المصري.
المستقبل: «مصر تعالجك.. وتستضيفك»
المرحلة المقبلة لن تكون مجرد زيادة عدد المستخدمين، وإنما توسيع شبكة مقدمي الخدمات، وربط المزيد من الفنادق والمستشفيات ومراكز الاستشفاء وشركات النقل والتأمين بالمنصة، مع بناء حملات تسويقية موجهة لكل سوق وفق احتياجاته.
والأهم أن نجاح التجربة سيحتاج إلى الحفاظ على جودة الخدمة في كل حلقة من حلقات الرحلة، لأن المريض لن يقيم التجربة وفق مستوى الطبيب فقط، وإنما وفق كل ما يحيط به منذ حجز الرحلة وحتى مغادرة مصر.
وبذلك، يمكن أن تتحول Tour4Cure إلى أكثر من منصة إلكترونية؛ إلى بنية تحتية رقمية لصناعة سياحية جديدة، تضع العلاج في مقدمة منتجات السفر المصرية، وتمنح الفنادق والطيران والاستثمار الصحي والسياحي سوقًا جديدة، وتحوّل الميزة التنافسية لمصر من انخفاض تكلفة العلاج فقط إلى تقديم تجربة متكاملة تجمع بين جودة الرعاية وسهولة السفر والضيافة والخدمات السياحية.
إن المعادلة الجديدة التي تطرحها المنصة واضحة: المريض يأتي إلى مصر من أجل العلاج، لكنه ينفق في منظومة سياحية واقتصادية كاملة.. وهنا تبدأ القيمة الحقيقية للسياحة الصحية.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر