كتبت – دعاء سمير : لم يعد أمن الطاقة ملفًا اقتصاديًا منفصلًا عن صناعة السياحة، بل أصبح أحد المحددات الرئيسية لقدرة المقصد السياحي على جذب الاستثمارات الفندقية والحفاظ على تنافسية أسعار الإقامة والخدمات، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل عالميًا وتزايد المخاطر الجيوسياسية التي تهدد سلاسل إمدادات الطاقة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب التحركات الحكومية لتأمين احتياجات مصر من البترول والغاز وتعزيز الاستثمارات في قطاع الطاقة أهمية خاصة بالنسبة لصناعة السياحة والفنادق، التي تعتمد بصورة مباشرة على استقرار إمدادات الكهرباء والوقود والغاز لتشغيل الفنادق والمنتجعات والمطارات ووسائل النقل والمنشآت الترفيهية.
وفي هذا السياق، عقد الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، اجتماعًا مع المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، لمناقشة الخطة المستقبلية لقطاع البترول والطاقة، في إطار بدء تنفيذ خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، وجهود الدولة لتحقيق أمن الطاقة، بحضور عدد من قيادات الوزارتين ورؤساء الهيئات والشركات القابضة بقطاع البترول والثروة المعدنية.
الطاقة.. تكلفة خفية في فاتورة السياحة
وتكشف أهمية الاجتماع عن حقيقة اقتصادية أساسية، وهي أن استقرار الطاقة يمثل عنصرًا حاسمًا في تكلفة المنتج السياحي المصري.
فالفندق الحديث ليس مجرد غرف للنزلاء، وإنما منشأة تعمل على مدار الساعة، وتحتاج إلى الطاقة لتشغيل أنظمة التكييف والتبريد والمطابخ والمغاسل والمصاعد والإضاءة ومحطات المياه وخدمات الترفيه، فضلًا عن احتياجات المنتجعات والمطارات والمنشآت السياحية الأخرى.
وبالتالي، فإن أي اضطراب في إمدادات الطاقة أو ارتفاع كبير في تكلفتها ينعكس في النهاية على تكلفة الغرفة الفندقية والخدمات المقدمة للسائح، وهو ما يؤثر في قدرة مصر على المنافسة أمام المقاصد السياحية الأخرى.
ومن هنا، فإن تأمين الطاقة لا يمثل فقط حماية للاقتصاد الوطني، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره استثمارًا غير مباشر في القدرة التنافسية للمقصد السياحي المصري.
الاستثمارات البترولية تفتح الباب أمام السياحة
وأكد الدكتور أحمد رستم أهمية الجهود الوطنية لتعزيز الاستثمارات في قطاع البترول والطاقة، مشيرًا إلى أن سداد مستحقات الشركاء الأجانب أسهم في تحسين مناخ الاستثمار وزيادة جاذبية القطاع لضخ استثمارات جديدة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز قطاع البترول، إذ إن زيادة الاستثمارات في البحث والاستكشاف والإنتاج تعني دعم قدرة الدولة على توفير احتياجات مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها السياحة.
فالمستثمر الفندقي عندما يدرس إنشاء منتجع جديد في الساحل الشمالي أو البحر الأحمر أو جنوب سيناء لا ينظر فقط إلى الموقع وعدد السائحين المتوقعين، وإنما يهتم أيضًا بتوافر البنية الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والغاز والوقود وشبكات النقل والمياه.
وبالتالي، فإن توسع الدولة في تطوير البنية الأساسية للطاقة يرفع من قيمة الأراضي والمناطق الواعدة سياحيًا، ويمنح المستثمر رؤية أكثر وضوحًا بشأن تكلفة التشغيل على المدى الطويل.
4.5 مليار دولار لتطوير معامل التكرير
وكشف وزير البترول والثروة المعدنية عن استهداف تنفيذ مشروعات لتطوير معامل التكرير باستثمارات تصل إلى 4.5 مليارات دولار، بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد.
ويمثل هذا الاتجاه أهمية مباشرة لقطاع السفر، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الوقود، سواء في تشغيل الطائرات أو الحافلات السياحية أو السيارات أو السفن والأنشطة البحرية.
كما أن خفض الاعتماد على الاستيراد وتعظيم الإنتاج المحلي يمكن أن يدعم قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسعار الطاقة العالمية، بما يساعد القطاعات السياحية على وضع خطط تشغيلية واستثمارية أكثر استقرارًا.
الطيران والسياحة البحرية في دائرة المستفيدين
ويظهر الارتباط بين الطاقة والسياحة بصورة أوضح في قطاع النقل.
فالطيران يمثل بوابة الوصول الرئيسية إلى المقصد المصري، بينما تعتمد السياحة الداخلية والرحلات بين المدن السياحية على النقل البري، في الوقت الذي ترتبط فيه السياحة البحرية والأنشطة الساحلية بتوافر الطاقة والوقود بصورة مستمرة.
ومن ثم، فإن تأمين إمدادات الطاقة يمثل عنصرًا داعمًا لشبكة السفر المصرية بالكامل، بدءًا من المطار وصولًا إلى الفندق والمنتجع والموقع الأثري.
كما يمكن لاستقرار الطاقة أن يساعد شركات السياحة والطيران والفنادق على السيطرة بصورة أفضل على تكاليف التشغيل، وبالتالي تقديم عروض أكثر تنافسية في الأسواق الخارجية.
مصر تتحول إلى مركز إقليمي للطاقة
ومن أبرز الملفات التي ناقشها الاجتماع تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية التحتية المصرية من خلال استقبال الغاز القبرصي وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية عبر مصر.
ويحمل هذا التوجه أهمية استراتيجية للسياحة أيضًا؛ فتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة يدعم الاقتصاد الكلي، ويوفر فرصًا جديدة للاستثمار في البنية الأساسية والخدمات، ويعزز صورة مصر كمركز إقليمي قادر على إدارة وتشغيل مشروعات كبرى.
وتتجاوز تداعيات هذه المشروعات قطاع الطاقة إلى قطاعات أخرى مثل النقل والخدمات اللوجستية والإنشاءات والضيافة، بما يفتح المجال أمام فرص استثمارية متعددة في المدن والمناطق المرتبطة بمشروعات الطاقة.
الطاقة المتجددة.. فرصة جديدة للفنادق
وتتضمن الاستراتيجية الوطنية المحدثة للطاقة التوسع في الطاقة المتجددة، وهو اتجاه يحمل فرصًا مهمة للقطاع الفندقي والسياحي.
فالفنادق والمنتجعات السياحية تتجه عالميًا إلى تقليل استهلاك الطاقة التقليدية والاعتماد على مصادر نظيفة، ليس فقط لأسباب بيئية، وإنما أيضًا لخفض تكاليف التشغيل وتعزيز قدرتها على جذب السائح الذي أصبح أكثر اهتمامًا بمعايير الاستدامة.
ويمكن لمصر، بما تمتلكه من مقومات طبيعية ومعدلات مرتفعة من سطوع الشمس، أن تتوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل الفنادق والمنتجعات، خصوصًا في المقاصد الصحراوية والساحلية مثل البحر الأحمر وجنوب سيناء والساحل الشمالي.
وهنا تتقاطع استراتيجية الطاقة مع استراتيجية السياحة المستدامة، بما يسمح بخلق نموذج فندقي يجمع بين خفض التكلفة وحماية البيئة وتعزيز جاذبية المنتج السياحي.
الغاز لصناعات القيمة المضافة
وأشار وزير البترول إلى استهداف توفير كميات أكبر من الغاز لصناعات القيمة المضافة، بالتوازي مع التوسع في صناعات التكرير والبتروكيماويات.
وتساهم هذه الاستراتيجية في دعم قاعدة التصنيع المحلية، وهو ما يمكن أن ينعكس بصورة غير مباشرة على القطاع السياحي من خلال زيادة الاعتماد على المنتجات والخدمات المحلية في الفنادق والمنشآت السياحية.
فكلما توسعت الصناعات المحلية، زادت قدرة الفنادق على الحصول على احتياجاتها من المنتجات والمستلزمات محليًا، بما يقلل مخاطر سلاسل الإمداد الخارجية ويحسن القدرة على التحكم في التكاليف.
أمن الطاقة.. رسالة للمستثمر السياحي
وتؤكد التحركات الحكومية أن الاستثمار السياحي لا يبدأ من الفندق، وإنما من البنية الأساسية التي تسمح له بالعمل بكفاءة.
فالمستثمر الذي يدرس إنشاء فندق جديد يحتاج إلى ضمانات تتعلق بالمياه والكهرباء والوقود والنقل والاتصالات، قبل أن يبدأ حساب العائد المتوقع على الاستثمار.
ومن هنا، فإن تعزيز أمن الطاقة يمكن أن يصبح إحدى الرسائل الرئيسية التي تقدمها مصر للمستثمرين الراغبين في دخول قطاع السياحة والضيافة، خاصة مع خطط الدولة لزيادة الطاقة الفندقية واستقبال أعداد أكبر من السائحين خلال السنوات المقبلة.
السياحة لا تزدهر دون طاقة مستقرة
وتكشف خطة قطاع البترول عن أن ملف الطاقة أصبح جزءًا من معادلة التنمية السياحية، وليس مجرد ملف خاص بالصناعة والنقل.
فكل غرفة فندقية جديدة تحتاج إلى طاقة، وكل رحلة طيران تحتاج إلى وقود، وكل منتجع سياحي يحتاج إلى كهرباء ومياه وتبريد، وكل توسع في أعداد السائحين يعني زيادة الطلب على منظومة الطاقة.
وبالتالي، فإن نجاح مصر في تأمين احتياجاتها من الطاقة وزيادة الإنتاج المحلي وتطوير معامل التكرير والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة يمكن أن يشكل قاعدة أساسية لمرحلة جديدة من النمو السياحي.
وفي النهاية، فإن أمن الطاقة يمثل أحد أهم الاستثمارات غير المرئية في صناعة السياحة المصرية؛ لأنه لا يظهر للسائح في صورة معلم أثري أو شاطئ أو فندق فاخر، لكنه يحدد قدرة هذه المكونات جميعًا على العمل بكفاءة واستدامة.
ومع تحرك الدولة بالتوازي نحو زيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير البنية الأساسية، والتوسع في الطاقة المتجددة، تبدو معادلة جديدة في طريقها إلى التبلور: طاقة أكثر استقرارًا تعني تشغيلًا فندقيًا أكثر كفاءة، وسفرًا أكثر انتظامًا، واستثمارًا سياحيًا أكثر جاذبية، ومقصدًا مصريًا أكثر قدرة على المنافسة عالميًا.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر