وكالات : لم يعد نجاح الأفلام العالمية يقاس فقط بعدد التذاكر المباعة أو الإيرادات التي تحققها دور العرض، بعدما تحولت السينما إلى أحد محركات الاقتصاد الترفيهي والسياحة الثقافية، وأصبح نجاح فيلم ضخم قادرًا على إعادة توجيه اهتمام الجمهور نحو المدن ومواقع التصوير والعلامات التجارية المرتبطة به.
ويقدم فيلم «سبايدرمان: يوم جديد تمامًا» نموذجًا لافتًا على هذه المعادلة، بعدما نجح في جذب اهتمام جماهيري واسع، رغم خروجه من قائمة أفضل 10 أفلام في تاريخ عالم مارفل السينمائي وفق تصنيف النقاد على موقع «روتن توميتوز».
المفارقة أن التقييم النقدي للفيلم ظل إيجابيًا عند 89%، إلا أن هذا الرقم لم يكن كافيًا لإبقائه ضمن قائمة النخبة، في وقت حصل فيه على تقييم جماهيري بلغ 98%، ليتعادل مع «شانغ شي وأسطورة الخواتم العشرة».
السينما تتحول إلى منتج سياحي
الأرقام الضخمة التي حققها الفيلم في شباك التذاكر تعكس قبل كل شيء قوة الطلب الجماهيري على شخصية سبايدرمان، لكنها تحمل في الوقت نفسه دلالة مهمة لصناعة السياحة؛ فالأفلام ذات الانتشار العالمي تستطيع تحويل المواقع التي تظهر فيها إلى وجهات يرغب الجمهور في زيارتها واكتشافها.
وهذا ما يعرف عالميًا باسم السياحة السينمائية، حيث تتحول الأعمال السينمائية الناجحة إلى أدوات تسويق غير مباشرة للمدن والأحياء والمعالم، وتدفع المشاهد إلى الانتقال من الشاشة إلى الواقع.
وبالنسبة إلى شخصية مثل سبايدرمان، التي ترتبط بصورة ذهنية قوية بمدينة نيويورك، فإن كل فيلم جديد يعيد تنشيط الاهتمام بالمدينة باعتبارها جزءًا من عالم الشخصية، وليس مجرد خلفية للأحداث.
360 مليون دولار في الافتتاح.. أبعد من السينما
حقق الفيلم 360 مليون دولار محليًا خلال عطلة نهاية أسبوع الافتتاح، متجاوزًا الرقم القياسي السابق الذي حققه «المنتقمون: نهاية اللعبة»، كما أصبح من أسرع الأفلام وصولًا إلى حاجز المليار دولار عالميًا.
هذه الأرقام تعني أن الفيلم لا يحرك إيرادات دور العرض فقط، وإنما يخلق موجة إنفاق أوسع في قطاعات مرتبطة بالترفيه، بداية من المطاعم والمقاهي ومراكز التسوق، وصولًا إلى الفنادق والنقل والأنشطة السياحية في المدن التي تستفيد من الزخم المرتبط بالإنتاج السينمائي.
وفي المدن الكبرى، يمكن للأفلام الجماهيرية أن تتحول إلى جزء من استراتيجية الترويج السياحي، خصوصًا عندما ترتبط الأعمال بمعالم معروفة أو أحياء ذات طابع مميز.
الجمهور يختلف مع النقاد
المثير في حالة «سبايدرمان: يوم جديد تمامًا» ليس نجاحه التجاري فقط، وإنما الفجوة بين رأي النقاد والجمهور.
ففي الوقت الذي استقر فيه التقييم النقدي عند 89%، وصل التقييم الجماهيري إلى 98%، بما يعكس استقبالًا أكثر حماسًا للفيلم من جانب الجمهور.
وتبدو هذه الفجوة مهمة من الناحية التسويقية؛ لأن الجمهور هو المحرك الأساسي لاقتصاد الأفلام التجارية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأفلام السلاسل الكبرى التي تعتمد على قاعدة جماهيرية ممتدة عبر أجيال.
وقد رأى بعض النقاد أن الفيلم يفتقر إلى العمق النفسي والروح المطلوبة، فيما انتقدت «NPR» ما وصفته بفقدان العمل لجوهره وقلبه، بينما رأت «وول ستريت جورنال» أن الفيلم يقدم قدرًا كبيرًا من القلق والتوتر دون عمق نفسي كافٍ.
لكن هذه الانتقادات لم تمنع الجمهور من الإقبال بكثافة على العمل، وهو ما يؤكد أن العلاقة بين المشاهد والفيلم لا تُبنى دائمًا وفق المعايير النقدية وحدها.
«مارفل».. علامة تجارية تتجاوز الشاشة
توضح المقارنة مع بقية أفلام عالم مارفل السينمائي حجم المنافسة داخل واحدة من أقوى العلامات التجارية في صناعة الترفيه.
ويتصدر «بلاك بانثر» القائمة النقدية بنسبة 96%، يليه «المنتقمون: نهاية اللعبة» و«آيرون مان» بنسبة 94%، ثم «ثور: راجناروك» و«سبايدرمان: لا طريق للعودة» بنسبة 93%.
وتأتي بعدها مجموعة من الأفلام التي حصلت على تقييمات مرتفعة، مثل «سبايدرمان: العودة للوطن» و«شانغ شي وأسطورة الخواتم العشرة» بنسبة 92%، ثم «سبايدرمان: بعيدًا عن الوطن» و«المنتقمون» و«حراس المجرة» بنسبة 91%.
أما «سبايدرمان: يوم جديد تمامًا» فيأتي عند 89%، متساويًا مع «دكتور سترينغ».
لكن هذه المرتبة لا تعكس بالضرورة قوة الفيلم التجارية أو تأثيره على الجمهور، وهو ما تكشفه الأرقام القياسية التي حققها في الأسواق.
من الشاشة إلى الفنادق والمطاعم
تزداد أهمية ظاهرة السياحة السينمائية بالنسبة إلى الفنادق وشركات السياحة، لأنها تتيح بناء منتجات جديدة حول الأفلام الناجحة.
فيمكن للفنادق في المدن التي ترتبط بأفلام عالمية أن تطور برامج إقامة تحمل طابعًا سينمائيًا، بينما تستطيع شركات السياحة تنظيم جولات إلى مواقع التصوير أو المعالم التي ظهرت في الأعمال الشهيرة.
كما يمكن للمطاعم والمقاهي الاستفادة من شعبية الشخصيات السينمائية من خلال تنظيم فعاليات مرتبطة بالأفلام، خصوصًا خلال فترات العرض الأولى.
وهكذا تتحول السينما من منتج ثقافي يُستهلك داخل دار العرض إلى اقتصاد تجربة يمتد إلى السفر والإقامة والطعام والتسوق والترفيه.
استثمار سياحي في القوة الناعمة
وتكشف تجربة «سبايدرمان» أن الاستثمار في السينما يمكن أن يحمل عوائد سياحية غير مباشرة، خصوصًا عندما تتعاون شركات الإنتاج مع المدن والهيئات السياحية لتقديم مواقع التصوير باعتبارها عناصر من المنتج السياحي.
وفي العديد من الأسواق العالمية، أصبحت الجهات السياحية تدرك أن ظهور مدينة في فيلم أو مسلسل عالمي قد يحقق لها دعاية يصعب الوصول إليها عبر الحملات الإعلانية التقليدية.
فالزائر الذي يتعرف إلى مدينة من خلال شاشة السينما قد يتحول بعد سنوات إلى سائح يبحث عن الأماكن التي ارتبطت بذاكرته البصرية.
الجمهور يحسم المعركة
المفارقة التي يقدمها «سبايدرمان: يوم جديد تمامًا» أن النجاح السياحي والتجاري لا يحتاج بالضرورة إلى إجماع نقدي كامل.
فالفيلم حصل على 89% نقديًا، لكنه سجل 98% جماهيريًا، وحقق افتتاحًا قياسيًا وإيرادات عالمية ضخمة.
وهذا يؤكد أن صناعة السياحة والترفيه باتت تعتمد بصورة متزايدة على قوة المجتمعات الجماهيرية والعلامات الثقافية العالمية، وليس فقط على تقييمات النقاد.
وفي النهاية، فإن نجاح «سبايدرمان: يوم جديد تمامًا» يقدم درسًا يتجاوز عالم مارفل: الفيلم الناجح لا يبيع تذكرة سينما فقط، بل يستطيع بيع مدينة وتجربة سفر ووجبة فندقية وجولة سياحية وذاكرة جديدة للسائح.
ومن هنا تصبح السينما واحدة من الأدوات الحديثة التي يمكن أن تستثمرها المدن والوجهات السياحية في بناء صورتها العالمية، خاصة عندما تتحول الشخصيات والأفلام إلى جزء من الذاكرة الجماعية لملايين المشاهدين حول العالم.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر