كتبت – مروة الشريف : تدخل سياسة اللجوء الألمانية تجاه السوريين مرحلة جديدة مع اتساع نطاق مراجعة أوضاع الحاصلين على الحماية، بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وهي تطورات لا تتوقف انعكاساتها عند ملف الهجرة واللجوء، بل تمتد إلى حركة السفر بين أوروبا وسوريا، ومستقبل السياحة، والتحويلات، والاستثمارات المرتبطة بعودة السوريين وإعادة إعمار بلدهم.
وكشف رد الحكومة الألمانية على استفسار برلماني أن 8320 حالة لجوء خضعت للمراجعة خلال النصف الأول من العام، انتهت 23.2% منها إلى إلغاء أو سحب وضع الحماية، مع تركّز النسبة الأكبر من هذه الحالات بين اللاجئين السوريين.
وتعكس هذه الأرقام انتقال الملف من مرحلة منح الحماية على نطاق واسع إلى مرحلة إعادة تقييم، في ظل تغير المعطيات السياسية والأمنية والإنسانية التي استندت إليها قرارات اللجوء السابقة.
من اللجوء إلى العودة.. سوق سفر جديد في الأفق
ويمثل تغير أوضاع الإقامة والحماية عاملًا يمكن أن يعيد تشكيل حركة السفر بين ألمانيا وسوريا خلال السنوات المقبلة.
فكلما اتسعت دائرة المراجعات، وزادت أعداد السوريين الذين يفقدون وضع الحماية أو يقررون العودة طواعية، تظهر حاجة أكبر إلى خطوط جوية مباشرة أو غير مباشرة، وخدمات السفر والنقل، وشركات تنظيم الرحلات، والخدمات اللوجستية المرتبطة بحركة الأفراد.
ولا يعني ذلك بالضرورة عودة السياحة التقليدية بصورة فورية، فالأوضاع الأمنية والبنية التحتية ومستوى الخدمات تظل عوامل حاسمة في قدرة سوريا على استعادة مكانتها على خريطة السفر الدولية.
لكن عودة السوريين المقيمين في أوروبا قد تمثل في بدايتها شكلًا مختلفًا من حركة السفر، يرتبط بزيارة الأسر والأقارب، وتفقد الممتلكات، وإعادة تأسيس الأعمال، ثم يمكن أن يتطور تدريجيًا إلى حركة سياحية أوسع إذا تحسنت الظروف.
23.2% في المراجعات.. ماذا تعني للسفر؟
وتتخذ السلطات الألمانية إجراءات إلغاء وضع اللجوء عندما يحدث تغير جوهري في الظروف التي بُني عليها قرار الحماية، بينما يمكن سحب الوضع في حالات تتعلق بثبوت تقديم معلومات غير صحيحة.
كما وسّعت الهيئة الألمانية للهجرة منذ يونيو نطاق المراجعات ليشمل فئات أوسع من الحاصلين على الحماية، ومن بينهم من مضى على لجوئهم 21 شهرًا، أو من لا يحتاجون إلى حماية خاصة أو لديهم شبكة دعم في سوريا، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وهنا تظهر نقطة مهمة بالنسبة لقطاع السفر: تحول العلاقة من إقامة دائمة إلى زيارات أو عودة طوعية يخلق نمطًا جديدًا من الطلب على النقل الجوي.
وقد تكون شركات الطيران ووكالات السفر من أوائل القطاعات التي تراقب هذه التحولات، خصوصًا مع وجود جالية سورية كبيرة في ألمانيا ودول أوروبية أخرى.
عودة مئات الآلاف.. بداية مختلفة للسياحة السورية
وشهدت الفترة التي أعقبت سقوط نظام الأسد عودة مئات الآلاف من السوريين إلى بلادهم، خاصة من تركيا ولبنان والأردن، رغم استمرار التوترات الأمنية في بعض المناطق، إلى جانب تحديات السكن والمساعدات.
وتكشف هذه العودة عن وجود طلب حقيقي على السفر إلى سوريا، لكنه في الوقت الحالي يرتبط بدرجة كبيرة بالعودة وإعادة الارتباط بالمجتمع والأسرة، وليس بالسياحة الترفيهية بمفهومها التقليدي.
ومع ذلك، فإن عودة الحركة البشرية يمكن أن تكون مقدمة لإعادة تشغيل قطاعات واسعة من الاقتصاد السياحي، خصوصًا الفنادق والمطاعم والنقل الداخلي والخدمات المرتبطة بالزوار.
الفنادق أمام اختبار إعادة بناء الطلب
ويظل القطاع الفندقي أحد أكثر القطاعات تأثرًا بأي تغير في حركة المسافرين.
فاستعادة حركة السفر يمكن أن ترفع الطلب على الغرف الفندقية، ليس فقط من السياح، وإنما من رجال الأعمال والمستثمرين والعائدين والوفود والمنظمات الدولية.
ومع تحسن الأوضاع، يمكن أن يظهر طلب جديد على الفنادق ذات الفئات المتوسطة والاقتصادية، إلى جانب الفنادق القادرة على استيعاب رجال الأعمال والوفود الدولية.
لكن نمو القطاع الفندقي يحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية الأساسية، والطاقة، والمياه، والنقل، والخدمات الرقمية، والأمن، وهي عناصر ترتبط بشكل مباشر بقدرة الوجهة على استعادة ثقة شركات السياحة والطيران والأسواق الخارجية.
إعادة الإعمار.. السياحة قد تكون أحد محركات الاقتصاد
وتفتح العودة السورية المحتملة من أوروبا وألمانيا تحديدًا بابًا آخر يتمثل في إعادة توظيف المدخرات والخبرات التي اكتسبها السوريون خلال سنوات الإقامة بالخارج.
وقد تتحول بعض حالات العودة من مجرد انتقال سكاني إلى مشروعات صغيرة ومتوسطة في قطاعات المطاعم والفنادق والنقل والسياحة والخدمات، خاصة في المدن والمناطق التي تتمتع بمقومات تاريخية وثقافية.
وتملك سوريا رصيدًا كبيرًا من المواقع الأثرية والمدن التاريخية، ما يجعل السياحة الثقافية واحدة من القطاعات التي يمكن أن تستفيد مستقبلًا من الاستقرار وإعادة تأهيل البنية السياحية.
لكن تحويل هذا الرصيد الحضاري إلى عائد اقتصادي يتطلب أولًا توفير بيئة آمنة، ثم تطوير المواقع والخدمات، ورفع كفاءة المنشآت الفندقية والنقل والمطارات.
الترحيل لا يزال محدودًا.. والعودة الطوعية هي المسار الأهم
ورغم توسع مراجعة أوضاع اللجوء، فإن إلغاء الحماية لا يعني تلقائيًا ترحيل الشخص إلى سوريا.
وتشير المعطيات إلى أن عمليات الترحيل لا تزال نادرة، وتتطلب تعاون السلطات السورية، حيث شهد العام الماضي أول عملية ترحيل منذ الحرب، أعقبتها ثلاث عمليات خلال العام الحالي.
ومن منظور قطاع السفر، يظل التركيز على العودة الطوعية أكثر أهمية في المدى القريب، لأنها يمكن أن تخلق حركة سفر مستقرة نسبيًا، وتتيح للأفراد التخطيط لعودتهم، وربما نقل أموالهم وممتلكاتهم وخبراتهم إلى السوق السورية.
هل تعود سوريا إلى خريطة السياحة الأوروبية؟
السؤال الأكبر ليس فقط كم عدد السوريين الذين ستتم مراجعة أوضاعهم في ألمانيا، وإنما ما إذا كانت هذه التحولات ستتزامن مع تحسن مستدام في البيئة السورية يسمح بعودة السياحة الأوروبية.
فالسوق الألمانية من الأسواق المؤثرة في السياحة العالمية، وعودة حركة السفر منها إلى سوريا ستكون مؤشرًا مهمًا على مستوى الثقة الدولية في الوجهة.
غير أن ذلك يتطلب مجموعة متكاملة من الشروط، تبدأ بالاستقرار والأمن، وتمر بعودة الطيران المنتظم، وإعادة تأهيل المطارات والطرق والمنشآت الفندقية، وتنتهي بوجود برامج سياحية قادرة على المنافسة.
السوريون في أوروبا.. رأس مال بشري وسياحي
ومن زاوية استثمارية، يمكن أن يمثل السوريون المقيمون في ألمانيا وأوروبا أحد أهم الأصول البشرية لإعادة بناء القطاع السياحي السوري مستقبلًا.
فهؤلاء يمتلكون خبرات في الإدارة والتكنولوجيا والخدمات والضيافة وريادة الأعمال، إضافة إلى معرفة مباشرة بالسوق الأوروبية وتفضيلات المستهلكين.
وبالتالي، فإن أي استراتيجية مستقبلية للنهوض بالسياحة السورية يمكن أن تستفيد من هذه الكفاءات، ليس باعتبارها مجرد عائدين، وإنما باعتبارها جسرًا بين السوق الأوروبية والوجهة السورية.
وتكشف مراجعة ألمانيا لطلبات اللجوء السوري عن تحول يتجاوز البعد السياسي والهجري، ليطرح احتمالات جديدة أمام حركة السفر والطيران والفنادق والاستثمار السياحي.
فإذا تحولت العودة من إجراء إداري إلى حركة منظمة وطوعية، ومع استمرار تحسن الأوضاع، فقد تنشأ تدريجيًا سوق سفر جديدة تربط السوريين في أوروبا ببلادهم، وتفتح الطريق أمام إعادة تنشيط قطاعات الفنادق والنقل والمطاعم والخدمات.
لكن السياحة لن تكون أول خطوة في هذا المسار؛ الأمن والاستقرار وإعادة بناء البنية الأساسية ستظل البوابة الحقيقية التي يمر منها أي مستقبل سياحي لسوريا.
وفي هذه المعادلة، قد تتحول الجالية السورية في أوروبا من ملف هجرة ولجوء إلى عنصر اقتصادي وسياحي مهم، إذا نجحت سوريا في استعادة الثقة وتحويل العودة البشرية إلى استثمار وتنمية وحركة سفر مستدامة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر