كتبت – مروة الشريف : تدخل مدينة الأقصر شهر سبتمبر المقبل بمؤشرات سياحية واعدة، مع توقعات بتجاوز معدلات إشغال الفنادق الثابتة والعائمة حاجز 80%، في رسالة تعكس قدرة السياحة الثقافية المصرية على الحفاظ على جاذبيتها أمام تقلبات حركة السفر والأزمات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وأكدت لجنة تسويق السياحة الثقافية، المنوط بها التسويق السياحي للأقصر، أن الحجوزات الحالية والمستقبلية تشير إلى تسجيل مستويات إشغال تتخطى 80% خلال سبتمبر 2026، بالتزامن مع تدفقات مرتقبة من عدد من الأسواق الأوروبية والآسيوية، إلى جانب استضافة المدينة مجموعة من المؤتمرات والفعاليات.
أوروبا والصين تقودان الطلب
وتشير مؤشرات الحجوزات إلى أن سبتمبر سيشهد وصول أعداد جيدة من السياح الإسبان والألمان والفرنسيين والإيطاليين، إلى جانب السائحين الصينيين، بما يعكس تنوع الأسواق المصدرة للسياحة الثقافية إلى الأقصر.
ويمثل هذا التنوع أهمية كبيرة للقطاع الفندقي، لأنه يقلل من اعتماد المدينة على سوق واحدة، ويوفر قاعدة طلب أكثر استقرارًا أمام الفنادق الثابتة والعائمة، خاصة مع اقتراب الموسم الشتوي الذي يمثل ذروة النشاط السياحي في الأقصر وأسوان.
كما أن استمرار تدفق السياح الآسيويين، وعلى رأسهم الصينيون، يفتح المجال أمام الفنادق وشركات السياحة لتطوير منتجات وخدمات أكثر ملاءمة لاحتياجات هذه الأسواق.
الفنادق العائمة تستعيد زخمها
ولا تقتصر مؤشرات التحسن على فنادق الأقصر الثابتة، وإنما تمتد إلى الفنادق العائمة التي تمثل عنصرًا رئيسيًا في منتج الرحلات النيلية بين الأقصر وأسوان.
وتكتسب توقعات تجاوز الإشغالات 80% أهمية خاصة بالنسبة لهذه المنشآت، إذ ترتبط حركة الفنادق العائمة بصورة مباشرة ببرامج السياحة الثقافية والرحلات النيلية، التي تجمع بين الإقامة والترفيه وزيارة المعابد والمقابر والمواقع الأثرية على امتداد النيل.
ومن شأن ارتفاع الطلب أن يدعم حركة الشركات المنظمة للرحلات النيلية، فضلًا عن المطاعم والمزارات والمرشدين السياحيين ووسائل النقل والأنشطة المرتبطة بالسائح الثقافي.
الأقصر تتجاوز تأثيرات اضطرابات المنطقة
وأشارت لجنة تسويق السياحة الثقافية إلى أن الحركة السياحية الوافدة إلى الأقصر منذ بداية العام الجاري وحتى الآن يمكن وصفها بأنها «معقولة»، رغم الظروف التي أثرت على حركة السفر والسياحة في المنطقة منذ فبراير الماضي.
لكن اللافت في قراءة القطاع السياحي هو أن الأزمة لم تمنع تحقيق تحسن في متوسط الإنفاق اليومي للسائح مقارنة بالعام الماضي.
وهذه النقطة تحمل أهمية خاصة للقطاع، لأن قياس نجاح الموسم لا يعتمد فقط على عدد الوافدين، وإنما أيضًا على حجم إنفاق السائح ومدة إقامته والأنشطة التي يشارك فيها.
السائح الثقافي.. قيمة اقتصادية تتجاوز أعداد الزوار
وتتميز السياحة الثقافية بقدرتها على توزيع الإنفاق السياحي على مجموعة واسعة من الأنشطة، فالسائح الذي يأتي إلى الأقصر لا يكتفي بالإقامة الفندقية، وإنما ينفق على الزيارات الأثرية والمرشدين والنقل والمطاعم والرحلات النيلية والهدايا والمنتجات التراثية.
ومن ثم فإن ارتفاع الإشغالات الفندقية في المدينة يخلق تأثيرًا مضاعفًا على الاقتصاد المحلي، ويدعم آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
كما أن زيادة إنفاق السائح تعني ارتفاع العائد الاقتصادي لكل زائر، حتى في حال عدم تحقيق قفزات كبيرة في أعداد الوافدين.
المؤتمرات تضيف موسمًا جديدًا للأقصر
ومن العوامل التي تعزز توقعات سبتمبر استضافة الأقصر عددًا من المؤتمرات المتنوعة، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى الطلب السياحي على المدينة.
فالسياحة الثقافية يمكن أن تتكامل مع سياحة المؤتمرات والفعاليات، بما يتيح للفنادق الاستفادة من الطلب خلال الفترات التي قد تشهد تقلبات في الحركة السياحية التقليدية.
ويمثل ذلك فرصة أمام القطاع الفندقي لتطوير منتجات تستهدف المؤتمرات والاجتماعات والفعاليات، وربطها ببرامج سياحية لزيارة المواقع الأثرية.
الشتاء.. المؤشر الأهم للمستثمرين
ورغم أهمية توقعات سبتمبر، فإن المؤشر الأكثر أهمية للقطاع السياحي هو ما تشهده الحجوزات الخاصة بالموسم الشتوي الذي يبدأ في أكتوبر المقبل.
وأكدت لجنة تسويق السياحة الثقافية أن حجم الطلب على زيارة الأقصر خلال الشتاء «جيد جدًا» حتى الآن، مع اتجاه عدد من شركات السياحة الأجنبية إلى زيادة رحلاتها إلى المدينة بداية من الربع الأخير من العام الجاري.
ويمثل هذا الاتجاه دفعة قوية للاستثمارات الفندقية، لأن ارتفاع الطلب على الموسم الشتوي يمنح المستثمرين رؤية أكثر وضوحًا بشأن معدلات التشغيل، ويساعد المنشآت القائمة على التخطيط للتوسعات وأعمال التطوير والتجديد.
رحلات إضافية تعني فرصًا أكبر للسياحة
وزيادة الرحلات الأجنبية إلى الأقصر لا تعني فقط ارتفاع عدد السياح، وإنما تعزز أيضًا قدرة المقصد على جذب استثمارات جديدة في الفنادق والمنتجعات والخدمات السياحية.
فالمستثمر يبحث عن مقصد يمتلك ثلاثة عناصر رئيسية: طلبًا سياحيًا مستمرًا، وسهولة الوصول، ومنتجًا سياحيًا قادرًا على تحقيق عائد طوال الموسم.
والأقصر تمتلك ميزة تنافسية قوية في هذا المجال، بفضل تركيزها الاستثنائي للمواقع الأثرية، إلى جانب الرحلات النيلية التي تمنح السائح تجربة تجمع بين الإقامة والتنقل والترفيه والثقافة في منتج واحد.
فرصة لإطالة الموسم السياحي
وتكشف مؤشرات سبتمبر والشتاء عن فرصة مهمة أمام الأقصر لتقليل الفجوة بين المواسم، وعدم التعامل مع السياحة الثقافية باعتبارها نشاطًا يتركز فقط في أشهر الشتاء.
فاستضافة المؤتمرات والفعاليات، وتنويع الأسواق، وزيادة الرحلات، وتطوير المنتجات السياحية، يمكن أن تساعد المدينة على بناء حركة أكثر استدامة على مدار العام.
وهذا من شأنه رفع كفاءة الأصول الفندقية، خاصة الفنادق العائمة، وتحسين العائد على الاستثمارات السياحية، فضلًا عن توفير فرص عمل أكثر استقرارًا للعمالة المرتبطة بالقطاع.
الأقصر أمام اختبار تحويل الطلب إلى استثمار
وتضع مؤشرات الإشغال والحجوزات القطاع السياحي أمام فرصة حقيقية لتحويل النمو في الطلب إلى استثمارات جديدة في الفنادق والخدمات.
فارتفاع الإشغالات فوق 80% خلال سبتمبر، بالتزامن مع طلب قوي على الموسم الشتوي، يمكن أن يشجع المستثمرين على ضخ استثمارات في تطوير المنشآت القائمة، وزيادة الطاقة الفندقية، وتحسين الخدمات والمنتجات الموجهة للسياحة الثقافية.
تقدم الأقصر في سبتمبر المقبل نموذجًا مختلفًا للسياحة المصرية؛ فالمؤشر الإيجابي لا يتمثل فقط في توقع تجاوز إشغالات الفنادق الثابتة والعائمة 80%، وإنما في تنوع الأسواق الوافدة، وارتفاع متوسط إنفاق السائح، وعودة الطلب القوي على الموسم الشتوي، إلى جانب زيادة الرحلات والمؤتمرات.
وبذلك تبدو الأقصر أمام فرصة لتحويل التعافي الحالي إلى نمو مستدام للسياحة الثقافية والاستثمار الفندقي، خاصة إذا نجحت في استثمار الزخم الأوروبي والصيني وتحويله إلى رحلات منتظمة وحجوزات ممتدة ومشروعات سياحية جديدة.
فالأقصر لا تراهن فقط على كنوزها الأثرية، وإنما على قدرتها على تحويل هذا التراث إلى صناعة سياحية أكثر استقرارًا وعائدًا وفرص عمل.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر