كتبت_شيماء رمضان: في خطوة جديدة تعكس التطور المتسارع في عالم التكنولوجيا الطبية، تفتح شريحة إلكترونية دقيقة تُزرع داخل العين آفاقًا جديدة أمام الأشخاص الذين يعانون من فقدان البصر، بعدما أظهرت تجارب سريرية نتائج واعدة في مساعدة بعض المرضى على استعادة جزء من قدرتهم على الرؤية والقراءة. ويعيد هذا التطور طرح سؤال مهم: هل تصبح التكنولوجيا في المستقبل وسيلة لاستعادة بعض الحواس التي فقدها الإنسان؟
شريحة إلكترونية دقيقة قد تغيّر مستقبل علاج فقدان البصر
تأتي تقنية PRIMA ضمن أبرز الابتكارات التي تجمع بين الهندسة الإلكترونية وطب العيون، إذ تعتمد على زراعة شريحة صغيرة أسفل شبكية العين، بهدف مساعدة المرضى الذين فقدوا الرؤية المركزية نتيجة بعض أمراض الشبكية.
وتتميز الشريحة بصغر حجمها، الذي يبلغ نحو 2 × 2 مليمتر، ما يسمح بزراعتها داخل العين ضمن إجراء طبي متخصص. ولا تعمل الشريحة بمفردها، بل تعتمد على منظومة متكاملة تشمل نظارات مزودة بكاميرا ونظامًا لمعالجة المعلومات البصرية، بما يساعد على تحويل الصور المحيطة بالمريض إلى إشارات يمكن للجهاز استخدامها لتحفيز المسارات البصرية المتبقية.
كيف تساعد الشريحة المرضى على الرؤية مرة أخرى؟
تعتمد آلية عمل التقنية على استقبال الكاميرا الموجودة في النظارات الذكية للمشاهد المحيطة بالمريض، ثم معالجة المعلومات البصرية وإرسالها إلى الشريحة باستخدام الضوء تحت الأحمر.
وتحوّل الشريحة هذه الإشارات الضوئية إلى نبضات كهربائية تحفز الخلايا العصبية المتبقية في الشبكية، لتنتقل المعلومات عبر المسار البصري إلى الدماغ، الذي يفسرها على هيئة أنماط وصور بصرية.
وتختلف هذه الطريقة عن النظارات التقليدية؛ فهي لا تكتفي بتكبير الصورة أو تحسين وضوحها، بل تستخدم نظامًا إلكترونيًا لتعويض جزء من وظيفة الخلايا الحساسة للضوء التي تضررت بسبب المرض.
ورغم الإمكانات التي توفرها التقنية، فإن الاستفادة منها تتطلب تقييمًا طبيًا دقيقًا وتدريبًا متخصصًا، كما أن النتائج تختلف من مريض إلى آخر بحسب حالته ومدى ملاءمته للعلاج.
نتائج التجارب السريرية تكشف إمكانات واعدة
أظهرت دراسة نُشرت في مجلة The New England Journal of Medicine عام 2025 نتائج مشجعة لاستخدام شريحة PRIMA لدى مرضى يعانون من فقدان الرؤية المركزية بسبب الضمور البقعي المرتبط بالعمر في مراحله المتقدمة.
ووفقًا لنتائج الدراسة، تمكن 27 مريضًا من أصل 32 أكملوا متابعة استمرت عامًا من استخدام الجهاز للقراءة بدرجات متفاوتة.
وتشير هذه النتائج إلى إمكانية مساعدة بعض المرضى على تنفيذ أنشطة يومية تعتمد على الرؤية القريبة، مثل قراءة الكلمات والمواد المطبوعة، وهو ما قد يساهم في تعزيز استقلاليتهم وتحسين جودة حياتهم.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني استعادة البصر الطبيعي، بل تشير إلى إمكانية تحقيق قدر من الرؤية الاصطناعية لدى بعض المرضى الذين تنطبق عليهم شروط استخدام التقنية.
تطور جديد في أكتوبر 2026 يوسّع آفاق الأبحاث
في تطور حديث، أفاد تقرير نشره موقع TechCrunch في 13 أكتوبر 2026 بأن شركة Science Corporation زرعت شريحة PRIMA لمريض مصاب بمرض ستارغاردت، وهو اضطراب وراثي نادر يؤدي إلى تدهور الرؤية المركزية.
وذكر التقرير أن المريض تمكن خلال جلسات التأهيل الأولية من رؤية حرف، ثم قراءة كلمة، في خطوة تمثل تطورًا يستحق المتابعة في دراسة إمكانية الاستفادة من التقنية لدى فئات جديدة من المرضى.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من اختلاف المرض الذي يعاني منه المريض عن الحالات التي دُرست في التجارب السابقة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات فعالية الشريحة في علاج مرض ستارغاردت؛ إذ يتطلب ذلك متابعة سريرية ودراسات إضافية لتقييم النتائج والسلامة على المدى الطويل.
هل يستطيع المرضى استعادة الرؤية الطبيعية؟
على الرغم من النتائج المشجعة، لا تزال التقنية في مرحلة التطور، ولا يمكن اعتبارها وسيلة لاستعادة الرؤية الطبيعية بالكامل.
فالرؤية التي توفرها الشريحة تختلف عن الرؤية البشرية المعتادة، وقد تكون محدودة من حيث التفاصيل والمجال البصري. كما يحتاج المريض إلى تعلم كيفية استخدام الجهاز وتفسير الأنماط التي يتيحها، وهو ما يجعل التأهيل جزءًا أساسيًا من الاستفادة منه.
كذلك، لا تناسب التقنية جميع حالات العمى؛ إذ يعتمد استخدامها على نوع المرض، وحالة الشبكية والمسارات البصرية، ومدى استيفاء المريض للمعايير الطبية المحددة.
لذلك، ينظر الباحثون إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها وسيلة واعدة لمساعدة فئات معينة من المرضى، وليست علاجًا شاملًا لجميع أسباب فقدان البصر.
التكنولوجيا الطبية.. من تعويض الحواس إلى استعادة الوظائف
يمثل تطوير الشرائح الإلكترونية المزروعة داخل الجسم اتجاهًا متناميًا في التكنولوجيا الطبية، حيث تتكامل الهندسة الحيوية والإلكترونيات والتقنيات البصرية لتطوير حلول تساعد المرضى على تعويض بعض الوظائف التي تضررت بسبب الأمراض.
ولا تقتصر أهمية هذه الابتكارات على الجانب الطبي وحده، بل تمتد إلى تأثيرها المحتمل في حياة المرضى اليومية، من خلال منحهم فرصًا أكبر للاستقلالية والقيام ببعض الأنشطة التي أصبحت صعبة أو مستحيلة بسبب فقدان البصر.
ومع تقدم الأبحاث، قد تساهم التحسينات المستقبلية في تصميم الشرائح ودقة معالجة الصور وطرق التأهيل في تطوير تجارب بصرية أكثر فاعلية، لكن الوصول إلى هذه النتائج سيظل مرتبطًا بإثبات السلامة والفعالية من خلال الدراسات العلمية.
هل تصبح الرؤية الإلكترونية واقعًا أوسع في المستقبل؟
يفتح التطور في تقنية PRIMA الباب أمام مرحلة جديدة من الأبحاث التي تسعى إلى الاستفادة من الإلكترونيات في مساعدة الإنسان على استعادة بعض قدراته البصرية.
وبينما لا تزال هناك تحديات علمية وطبية تحتاج إلى حلول، فإن النتائج التي ظهرت حتى الآن توضح كيف يمكن للتقدم التكنولوجي أن يقدم خيارات جديدة للمرضى الذين يعانون من أمراض تؤثر بصورة كبيرة في حياتهم.
وفي النهاية، لا تتمثل أهمية هذه الشريحة في أنها تعيد البصر بصورة كاملة، بل في أنها تقدم خطوة علمية واعدة نحو مستقبل يمكن فيه للتكنولوجيا أن تساعد الإنسان على استعادة جزء من قدراته المفقودة، وتمنحه أملًا جديدًا في حياة أكثر استقلالية.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر