وكالات : يشهد قطاع النقل الجوي في السودان مرحلة استثنائية فرضتها التطورات التشغيلية التي أعقبت انتقال حركة الطيران إلى مطار بورتسودان الدولي، الذي أصبح المنفذ الجوي الرئيسي للبلاد، في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين شركات الطيران الوطنية والأجنبية على استقطاب المسافرين عبر معادلة تجمع بين السعر وجودة الخدمة وكفاءة التشغيل.
وتبرز أسعار تذاكر السفر باعتبارها أحد أهم عوامل المنافسة في السوق السوداني، خاصة مع تزايد وعي المسافرين بمقارنة الأسعار والخدمات قبل اتخاذ قرار الحجز، وهو ما كشفته قراءة تحليلية أعدتها منصة “طيران بلدنا”، استندت إلى مقارنة أسعار الرحلات على عدد من الوجهات المشتركة، مع احتساب سعر صرف الدولار الرسمي البالغ 3513 جنيهًا سودانيًا.
أديس أبابا.. الشركات السودانية تتفوق سعريًا
أظهرت المقارنة أن خط بورتسودان – أديس أبابا يمثل نموذجًا لقدرة شركات الطيران السودانية على المنافسة عندما تتوافر ظروف تشغيل مناسبة.
وسجلت شركة تاركو للطيران أقل أسعار على هذا الخط، حيث بلغ سعر تذكرة الذهاب نحو 1.45 مليون جنيه سوداني، بينما وصلت رحلة العودة إلى 1.8 مليون جنيه، تلتها بدر للطيران بأسعار بلغت 1.566 مليون جنيه للذهاب و1.815 مليون جنيه للعودة.
في المقابل، جاءت أسعار الخطوط الجوية الإثيوبية أعلى، إذ بلغ سعر رحلة الذهاب 437 دولارًا، أي ما يعادل نحو 1.54 مليون جنيه سوداني، فيما وصلت رحلة العودة إلى 580 دولارًا، بما يعادل أكثر من مليوني جنيه سوداني.
ويعكس هذا التفوق السعري للناقلات الوطنية قدرتها على المنافسة في بعض الأسواق الإقليمية، عندما تكون بيئة التشغيل أكثر استقرارًا وكفاءة.
الدوحة.. القطرية تتفوق بالقيمة والسعر
وعلى خط بورتسودان – الدوحة، مالت الكفة لصالح الخطوط الجوية القطرية، التي قدمت أسعارًا أقل من الناقلتين السودانيتين، رغم ما تتمتع به من شبكة ربط عالمية وخدمات مصنفة ضمن الأفضل دوليًا.
وبلغ سعر تذكرة الذهاب على متن القطرية نحو 670 دولارًا، فيما سجلت العودة 640 دولارًا، أي أقل من الأسعار التي طرحتها شركتا تاركو وبدر، واللتان حددتا أسعار الذهاب عند 2.784 مليون جنيه، والعودة عند 2.64 مليون جنيه.
ويرى مراقبون أن هذا الفارق يعكس قدرة شركات الطيران الكبرى على الاستفادة من اقتصاديات الحجم، وتنوع الشبكات، وانخفاض تكلفة التشغيل لكل مقعد.
مسقط.. طيران السلام يفرض معادلة جديدة
وشهد خط بورتسودان – مسقط أكبر فجوة سعرية بين الشركات المتنافسة، حيث قدمت شركة طيران السلام العمانية أسعارًا تقل بأكثر من 50% مقارنة بالناقلتين السودانيتين.
وبلغ سعر تذكرة الذهاب لدى طيران السلام نحو 210 دولارات، أي ما يعادل حوالي 738 ألف جنيه سوداني، بينما سجلت العودة 211 دولارًا.
في المقابل، طرحت كل من تاركو وبدر أسعارًا بلغت 1.566 مليون جنيه للذهاب و1.8 مليون جنيه للعودة، وهو فارق كبير قد يدفع شريحة واسعة من المسافرين إلى تفضيل الناقل العماني، خاصة لمن يضع السعر في مقدمة أولوياته.
إسطنبول.. منافسة متقاربة
أما على خط بورتسودان – إسطنبول، فقد بدت المنافسة أكثر توازنًا، إذ قدمت الخطوط الجوية التركية سعرًا أقل في رحلة الذهاب بلغ 524 دولارًا، بينما بلغ سعر العودة 743 دولارًا.
في المقابل، سجلت بدر للطيران سعرًا أعلى قليلًا في رحلة الذهاب عند 2.146 مليون جنيه سوداني، لكنها تفوقت في رحلة العودة بسعر بلغ 2.31 مليون جنيه، وهو أقل من نظيره لدى الناقل التركي.
وتعكس هذه النتائج وجود منافسة متقاربة تعتمد على توقيت الحجز، والعروض الموسمية، والخدمات المصاحبة، وليس على السعر فقط.
هيكل التكاليف تحت المجهر
وتطرح نتائج المقارنة تساؤلات مهمة حول أسباب ارتفاع تكلفة التشغيل لدى بعض شركات الطيران السودانية، مقارنة بشركات إقليمية وعالمية تمتلك أساطيل أحدث وشبكات أوسع.
ويرى مختصون أن عوامل مثل رسوم المطارات، وأسعار الوقود، وتكاليف المناولة الأرضية، ومحدودية حجم التشغيل، وكفاءة استغلال الأسطول، تؤثر بصورة مباشرة على تكلفة المقعد، وبالتالي على السعر النهائي الذي يتحمله المسافر.
وفي المقابل، يؤكد نجاح الشركات السودانية في المنافسة على بعض الخطوط، مثل أديس أبابا، أن لديها القدرة على تحسين موقعها التنافسي إذا ما توافرت بيئة تشغيل أكثر كفاءة، مع مراجعة هيكل التكاليف وتعزيز الإنتاجية.
المسافر أصبح الحكم الأول
ويجمع خبراء الطيران على أن سوق النقل الجوي السوداني يشهد تحولًا واضحًا في سلوك المسافرين، الذين أصبحوا أكثر حرصًا على المقارنة بين شركات الطيران من حيث السعر، ومستوى الخدمة، والالتزام بالمواعيد، وسهولة الربط بين الوجهات.
ولم يعد الانتماء للناقلة الوطنية وحده كافيًا لترجيح قرار السفر، بل أصبحت المنافسة الحقيقية قائمة على تقديم أفضل قيمة مقابل ما يدفعه المسافر.
وفي ظل هذه المتغيرات، تبدو الحاجة ملحة أمام شركات الطيران السودانية لإعادة هيكلة منظومة التشغيل، وخفض النفقات غير الضرورية، وتطوير الخدمات، والاستثمار في التسويق وبرامج التسعير المرنة، بما يمكنها من تعزيز قدرتها التنافسية واستعادة حصتها في سوق يشهد تغيرات متسارعة.
وتؤكد المؤشرات أن مستقبل المنافسة في سوق الطيران لن يحسمه السعر الأقل فقط، وإنما قدرة شركات الطيران على تحقيق المعادلة التي يبحث عنها كل مسافر، وهي تقديم سعر مناسب، وخدمة موثوقة، وتجربة سفر آمنة ومريحة، بما يعزز ثقة العملاء ويضمن استدامة النمو في قطاع يشكل أحد أهم محركات الاقتصاد وحركة السفر الإقليمية.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر