كتبت – دعاء سمير : أكدت الحكومة المصرية أن الاستثمار في التعليم لم يعد مجرد إنفاق على قطاع خدمي، بل أصبح أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، باعتباره استثمارًا مباشرًا في بناء الإنسان وتأهيل الكفاءات القادرة على قيادة مختلف القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها السياحة والضيافة، التي تعتمد بصورة أساسية على العنصر البشري وجودة الخدمات المقدمة للزائرين.
وجاء ذلك خلال انطلاق فعاليات النسخة الخامسة من مؤتمر الاستثمار في التعليم، الذي شهد حضورًا واسعًا من ممثلي وزارات المالية والاستثمار والتخطيط، وهيئة الأبنية التعليمية، والبنك المركزي، والجهات المعنية بتمويل الأنشطة التعليمية، إلى جانب ممثلي السفارات والهيئات الأجنبية العاملة في مصر، في تأكيد على الاهتمام المتزايد بتطوير المنظومة التعليمية باعتبارها ركيزة لجذب الاستثمارات وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري.
وخلال كلمته بالمؤتمر، أكد أحمد كجوك، وزير المالية، أن الاستثمار في التعليم يمثل أولوية قصوى للدولة، لأنه استثمار طويل الأجل في رأس المال البشري، مشددًا على أن وزارة المالية لا يقتصر دورها على توفير الاعتمادات المالية، وإنما تعمل كشريك استراتيجي لوزارة التربية والتعليم لدعم تنفيذ خطط تطوير المنظومة التعليمية وتحقيق التنمية الشاملة.
التعليم.. قاعدة انطلاق السياحة الحديثة
ويؤكد خبراء السياحة أن تحقيق مستهدفات الدولة باستقبال عشرات الملايين من السائحين خلال السنوات المقبلة لن يعتمد فقط على إنشاء الفنادق والمنتجعات أو تطوير المطارات والمتاحف، بل يتطلب أيضًا توفير كوادر بشرية مؤهلة تمتلك المهارات اللغوية والمهنية والتكنولوجية اللازمة للتعامل مع الأسواق السياحية العالمية.
ويعد الاستثمار في التعليم الفني والتكنولوجي، إلى جانب تطوير مناهج كليات ومعاهد السياحة والفنادق، أحد أهم العوامل التي ترفع جودة الخدمات السياحية، وتزيد من رضا السائح، وتعزز الصورة الذهنية للمقصد المصري في الأسواق الدولية.
زيادة تاريخية في مخصصات التعليم
وأوضح وزير المالية أن الموازنة العامة الجديدة، التي بدأ العمل بها اعتبارًا من يونيو الجاري، تضمنت زيادة بنسبة 20% في مخصصات قطاع التربية والتعليم، وهي من أعلى معدلات الزيادة بين مختلف القطاعات، بما يعكس اهتمام الدولة بتطوير التعليم وتحسين جودة الخدمات المقدمة للطلاب.
وأشار إلى أن هذه الزيادة أتاحت تنفيذ خطة لتعيين 150 ألف معلم خلال خمس سنوات، بواقع 30 ألف معلم سنويًا، لسد العجز في المدارس وتحسين جودة العملية التعليمية، مؤكدًا أن الدولة تخصص أكثر من 4 مليارات جنيه سنويًا لتنفيذ التوجيهات الرئاسية الخاصة بهذا الملف.
وأضاف أن إجمالي مخصصات قطاع التعليم ارتفع إلى نحو 370 مليار جنيه، بما يتيح توفير الاحتياجات الأساسية للعملية التعليمية، وفي مقدمتها طباعة الكتب الدراسية، إلى جانب تخصيص 7 مليارات جنيه لبرنامج التغذية المدرسية الذي يستفيد منه ملايين الطلاب.
رأس المال البشري.. مفتاح جذب الاستثمارات
ويرى اقتصاديون أن المستثمر الأجنبي لا ينظر فقط إلى الحوافز الضريبية أو البنية التحتية، وإنما يقيّم أيضًا جودة القوى العاملة ومستوى التعليم والتدريب، باعتبارها من أهم عوامل نجاح الاستثمارات.
وينطبق ذلك بصورة مباشرة على القطاع السياحي، الذي يعتمد على العمالة المدربة في الفنادق والمطاعم وشركات السياحة والإرشاد السياحي والطيران والنقل، وهو ما يجعل تطوير التعليم أحد أهم أدوات دعم تنافسية السياحة المصرية.
كما أن تحسين جودة التعليم يسهم في تخريج كوادر قادرة على التعامل مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وأنظمة الحجز الحديثة والتسويق الإلكتروني، وهي أدوات أصبحت جزءًا أساسيًا من صناعة السياحة العالمية.
شراكة مع القطاع الخاص
وأكد أحمد كجوك أن الحكومة تولي اهتمامًا كبيرًا بتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص في تطوير التعليم، والعمل على ابتكار أدوات تمويل جديدة تتيح زيادة مشاركة المستثمرين في إنشاء المؤسسات التعليمية ورفع جودة الخدمات.
ويمثل هذا التوجه فرصة مهمة لقطاع السياحة أيضًا، حيث تتزايد الحاجة إلى إنشاء مدارس ومعاهد وأكاديميات متخصصة في الضيافة وإدارة الفنادق والخدمات السياحية، بالشراكة مع المؤسسات التعليمية الدولية وسلاسل الفنادق العالمية.
ويؤكد خبراء الضيافة أن السوق المصرية ستحتاج خلال السنوات المقبلة إلى عشرات الآلاف من العاملين المؤهلين، بالتزامن مع التوسع في إنشاء الفنادق الجديدة وزيادة الطاقة الفندقية في مختلف المقاصد السياحية.
الطفولة المبكرة.. استثمار في المستقبل
وشدد وزير المالية على أن الاستثمار في الطفولة المبكرة يعد من أكثر المجالات تحقيقًا للعائد الاقتصادي والاجتماعي، مشيرًا إلى أن الدراسات الصادرة عن البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية تؤكد أن الاستثمار في برامج الطفولة المبكرة عالية الجودة يحقق عائدًا سنويًا يتراوح بين 10 و16%.
وأوضح أن الدولة أطلقت الاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة عام 2024، والتي تستهدف تقديم خدمات تعليمية وصحية وتغذوية متكاملة لأكثر من 10 ملايين طفل، مع استمرار زيادة المخصصات المالية لضمان استدامة هذه الخدمات.
السياحة تحتاج إلى تعليم متطور
ويؤكد المتخصصون أن نجاح مصر في التحول إلى واحدة من أكبر الوجهات السياحية في العالم يرتبط بشكل وثيق بجودة التعليم والتدريب، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية والدولية المتزايدة.
فالسائح اليوم لا يبحث فقط عن المقومات الطبيعية أو الأثرية، وإنما يقيم مستوى الخدمة، وكفاءة العاملين، وسرعة الاستجابة، والقدرة على التواصل بلغات مختلفة، وهي جميعها عوامل تبدأ من منظومة تعليم حديثة قادرة على إعداد كوادر تلبي احتياجات سوق العمل.
كما يسهم تطوير التعليم في دعم أنماط سياحية جديدة، مثل سياحة المؤتمرات، والسياحة العلاجية، والسياحة التعليمية، وسياحة الأعمال، التي تعتمد على كفاءات بشرية عالية المستوى.
استثمار في الإنسان قبل المشروعات
واختتم وزير المالية كلمته بالتأكيد على أن تطوير التعليم مسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، داعيًا إلى تعزيز التعاون وتسريع وتيرة الاستثمار في المنظومة التعليمية، بما يسهم في إعداد أجيال قادرة على قيادة مستقبل التنمية في مصر.
وتعكس الرسائل التي خرج بها المؤتمر إدراك الدولة أن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على تشييد المدن الجديدة أو تنفيذ المشروعات القومية، بل يبدأ ببناء الإنسان، باعتباره المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني. كما أن تطوير التعليم يمثل أحد أهم الضمانات لنجاح قطاع السياحة في تحقيق مستهدفاته المستقبلية، من خلال إعداد كوادر مؤهلة قادرة على تقديم خدمات تضاهي المعايير العالمية، بما يعزز مكانة مصر كوجهة سياحية واستثمارية رائدة في المنطقة.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر