الرئيسية / تجربتي / سبتة ومليلية حكاية مدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية وأزمة الهجرة
سبتة ومليلية حكاية مدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية وأزمة الهجرة
سبتة ومليلية حكاية مدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية وأزمة الهجرة

سبتة ومليلية حكاية مدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية وأزمة الهجرة

كتب – أحمد زكي : لا تزال مدينتا سبتة ومليلية تمثلان واحدة من أكثر القضايا التاريخية والسياسية تعقيدًا في غرب البحر المتوسط، إذ تقعان على الساحل الشمالي للمملكة المغربية، بينما تخضعان للسيادة الإسبانية منذ قرون. وبينما تنظر إليهما إسبانيا باعتبارهما مدينتين إسبانيتين تتمتعان بالحكم الذاتي، تعتبرهما المغرب جزءًا لا يتجزأ من أراضيها الوطنية، في نزاع تاريخي لم يُحسم حتى اليوم.

وتتجاوز أهمية سبتة ومليلية البعد السياسي، فموقعهما الاستراتيجي عند مدخل مضيق جبل طارق جعلهما عبر التاريخ مفتاحًا للتحكم في طرق الملاحة والتجارة بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، كما تحولا في العصر الحديث إلى إحدى أبرز بوابات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، لتختلط الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والإنسانية في مشهد بالغ التعقيد.

من الأندلس إلى السواحل المغربية.

شهد القرن الخامس عشر نهاية الوجود الإسلامي في الأندلس بعد سقوط مملكة غرناطة عام 1492، إثر اتحاد تاجي قشتالة وأرغون بزواج الملك فرديناند الثاني والملكة إيزابيلا الأولى، وهو الاتحاد الذي مهّد لاستكمال حروب الاسترداد وانتهاء الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وقبل سقوط غرناطة بعقود، كانت البرتغال قد احتلت مدينة سبتة عام 1415، لتصبح أولى قواعدها العسكرية خارج أوروبا، بينما استولت إسبانيا على مدينة مليلية عام 1497، مستفيدة من التحولات الكبرى التي شهدها غرب البحر المتوسط في تلك المرحلة.
وفي عام 1580، دخلت البرتغال في اتحاد سياسي مع التاج الإسباني، وانتقلت سبتة لاحقًا إلى السيادة الإسبانية، قبل أن تؤكد ولاءها لإسبانيا بصورة نهائية بعد انفصال البرتغال عام 1640، لتصبح المدينتان تحت الحكم الإسباني حتى اليوم.

موقع استراتيجي يفسر الصراع.

تكتسب سبتة أهمية استثنائية لوقوعها على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تعبره نسبة كبيرة من حركة التجارة الدولية.
كما ارتبط اسم المدينة تاريخيًا بمرحلة الفتح الإسلامي للأندلس، إذ انطلقت منها التحركات العسكرية لعبور القوات الإسلامية إلى شبه الجزيرة الإيبيرية بقيادة طارق بن زياد عام 711م، وهو ما منحها مكانة خاصة في الذاكرة التاريخية العربية والإسلامية.

محاولات مغربية لاستعادة المدينتين

لم تتوقف محاولات المغرب لاستعادة الثغور الشمالية بعد احتلالها، وكان أبرزها في عهد السلطان المولى إسماعيل (1672–1727)، الذي عمل على بناء جيش قوي عرف تاريخيًا باسم “جيش عبيد البخاري”، وتمكن من استعادة عدد من المدن الساحلية من القوى الأوروبية.

وضرب المولى إسماعيل حصارًا طويلًا على سبتة استمر سنوات عديدة، إلا أن التحصينات العسكرية القوية للمدينة، والدعم البحري الإسباني المستمر، حالا دون استعادتها، رغم تحقيق القوات المغربية تقدمًا في بعض مراحل القتال.

وفي القرن العشرين، أعاد الزعيم المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي إشعال المقاومة ضد الوجود الإسباني في شمال المغرب خلال حرب الريف، وحقق انتصارات عسكرية بارزة قبل أن تتدخل فرنسا إلى جانب إسبانيا، لتنتهي الجمهورية الريفية بعد حملة عسكرية واسعة استخدمت خلالها إسبانيا أسلحة كيميائية، من بينها غاز الخردل، في واحدة من أكثر صفحات الاستعمار الأوروبي إثارة للجدل في شمال أفريقيا.

بعد استقلال المغرب.

عندما حصل المغرب على استقلاله عام 1956، بقيت سبتة ومليلية خارج اتفاقيات إنهاء الاستعمار، إذ تمسكت إسبانيا باعتبارهما جزءًا من أراضيها الوطنية، بينما واصلت الرباط التأكيد على أحقيتها التاريخية والسيادية في المدينتين.
وفي عام 1995، منحت إسبانيا كلًا من سبتة ومليلية وضع “المدينة ذاتية الحكم”، وهو ما منح الإدارتين المحليتين صلاحيات واسعة مع استمرار خضوعهما للسيادة الإسبانية.

من قضية سيادة إلى بوابة للهجرة.

خلال العقود الأخيرة، تحولت سبتة ومليلية إلى إحدى أهم نقاط العبور غير النظامية نحو الاتحاد الأوروبي، نظرًا لأنهما تمثلان الحدود البرية الوحيدة بين أفريقيا وأوروبا.
ويفصل مدينة الفنيدق المغربية عن سبتة سياج حدودي مرتفع مزود بإجراءات أمنية مشددة، ما دفع آلاف المهاجرين إلى محاولة الوصول عبر البحر سباحة أو باستخدام وسائل بدائية، على أمل دخول الأراضي الإسبانية وتقديم طلبات الحماية أو اللجوء وفق الإجراءات القانونية الأوروبية.

وقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات جماعية متكررة لعبور الحدود، أسفرت عن سقوط ضحايا ومفقودين، إلى جانب أزمات إنسانية متكررة، لتتحول سبتة ومليلية إلى رمز لتعقيدات الهجرة بين ضفتي المتوسط.

قيمة سياحية تتجاوز الخلاف السياسي.

ورغم الجدل السياسي المستمر، تحتفظ المدينتان بمكانة سياحية وثقافية متميزة، إذ تجمعان بين الطابع الأندلسي والمتوسطي، وتضمان حصونًا تاريخية وأسوارًا وقلاعًا وموانئ تعكس قرونًا من التفاعل الحضاري بين أوروبا وشمال أفريقيا.
وتظل سبتة ومليلية شاهدتين على تاريخ طويل من الصراع والتبادل الثقافي، ومثالًا حيًا على كيفية تحول الجغرافيا إلى عامل مؤثر في السياسة والاقتصاد والهجرة والسياحة في آن واحد، وهو ما يجعل قصتهما واحدة من أكثر القصص التاريخية إثارة في حوض البحر الأبيض المتوسط.

سبتة ومليلية حكاية مدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية وأزمة الهجرة

إقرأ أيضاً :

مبادرة الرعاية الصحية لكبار السن تقدم خدماتها لـ2.9 مليون مواطن

شاهد أيضاً

إدراج محمية العقبة البحرية باليونسكو يفتح آفاقًا جديدة للسياحة الأردنية

إدراج محمية العقبة البحرية باليونسكو يفتح آفاقًا جديدة للسياحة الأردنية

كتب – مروة السيد : حقق الأردن إنجازًا دوليًا جديدًا يعزز مكانته على خريطة السياحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *