كتبت – حنان خليل : لم تعد حفلات الأعراس في لبنان مجرد مناسبات اجتماعية تجمع العائلات والأصدقاء، بل تحولت على مدار سنوات إلى أحد الروافد المهمة للنشاط السياحي، وقطاع واسع يربط بين الفنادق والمطاعم والمنشآت البحرية وشركات تنظيم المناسبات والنقل والسفر والخدمات الترفيهية.
لكن هذا القطاع يواجه حاليًا اختبارًا صعبًا، بعدما انعكست الأزمات الاقتصادية والأمنية وارتفاع تكلفة السفر على قرارات المغتربين الراغبين في العودة إلى وطنهم الأم لإقامة حفلات زفافهم، ما دفع جزءًا منهم إلى تأجيل المناسبة أو نقلها إلى وجهات أخرى أكثر استقرارًا.
لبنان.. «وجهة الزفاف» التي فقدت جزءًا من بريقها
لطالما شكل لبنان خيارًا مفضلًا للمغتربين لإقامة حفلات أعراسهم، مستفيدين من الطبيعة الساحلية والجبلية، وتنوع المنشآت السياحية، وخبرة قطاع تنظيم المناسبات، إلى جانب العامل الأهم وهو الرغبة في الاحتفال وسط الأهل والعائلة وفي بلد الجذور.
وكانت حفلات الأعراس تستقطب مئات الضيوف من الخارج، بما يعنيه ذلك من حجوزات فندقية وليالٍ سياحية، وتذاكر طيران، ومطاعم، ونقل، ورحلات ترفيهية، فضلًا عن الإنفاق على خدمات تنظيم الحفل والزهور والتصوير والموسيقى والضيافة.
وبالتالي فإن تراجع حفلات الأعراس لا يضرب منظمي المناسبات وحدهم، وإنما يمتد تأثيره إلى سلسلة طويلة من الأنشطة المرتبطة بالسياحة والضيافة.
وتكشف تقديرات أمين سر نقابة المؤسسات السياحية البحرية فؤاد فرنجية عن حجم الأزمة، إذ أشار إلى أن قطاع تنظيم الأعراس سجل تراجعًا يقارب 40% مقارنة بالعام الماضي، بينما تتجاوز نسبة الانخفاض 70% إلى 80% عند مقارنته بالأعوام السابقة.
الحرب غيّرت خريطة الحجوزات
ويكتسب توقيت الحجوزات أهمية خاصة في تفسير الأزمة؛ فحفلات الزفاف الكبرى تحتاج عادة إلى التخطيط قبل المناسبة بستة أشهر أو حتى عام كامل، وهو ما يجعل أي اضطراب أمني أو جيوسياسي قادرًا على تغيير القرار السياحي قبل موعد الحفل بفترة طويلة.
وبحسب فرنجية، كان الإقبال مقبولًا حتى فبراير، قبل أن تتوقف الحجوزات بصورة شبه كاملة مع بداية الحرب، فيما ألغى عدد من العملاء حجوزاتهم السابقة نتيجة صعوبة السفر والخوف من استمرار التوترات.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الاستقرار والسياحة؛ فالسائح أو المغترب لا يشتري فقط غرفة فندقية أو تذكرة طيران، بل يشتري قبل كل شيء شعورًا بالأمان والقدرة على التخطيط.
ومع استمرار حالة عدم اليقين، أصبح تأجيل حفل الزفاف أو نقله إلى دولة أخرى خيارًا أكثر سهولة من المخاطرة بمناسبة تم التخطيط لها قبل أشهر.
المغتربون.. العمود الفقري لسياحة الأعراس
تزداد أهمية المغتربين بالنسبة لهذا القطاع مع تراجع القدرة الشرائية للمقيمين في لبنان، إذ أصبحت إقامة حفلات كبيرة مكلفة بالنسبة لكثير من الأسر المحلية، في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الخدمات وتكاليف المعيشة.
وبذلك أصبح قطاع الأعراس يعتمد بدرجة أكبر على اللبنانيين المقيمين في الخارج، الذين يمثلون في الوقت نفسه مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية وحركة الطيران والإشغال الفندقي.
لكن اعتماد القطاع على المغتربين جعله أكثر حساسية لتقلبات السفر الدولي؛ فكل تراجع في الرحلات الجوية أو ارتفاع في أسعار التذاكر ينعكس سريعًا على عدد القادمين إلى لبنان.
ومع اتجاه بعض المغتربين إلى إقامة حفلاتهم في الخارج، يخسر الاقتصاد اللبناني ليس فقط قيمة الحفل، وإنما أيضًا الإنفاق المصاحب للضيوف القادمين من دول أخرى.
من حفل الزفاف إلى الفندق والمطعم والطيران
وتكشف أزمة الأعراس عن مفهوم أوسع للسياحة، يتجاوز الصورة التقليدية للسائح الذي يقضي إجازته على الشاطئ أو يزور موقعًا أثريًا.
فسائح الزفاف يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من السائح التقليدي من حيث حجم الإنفاق، لأنه يجلب معه عائلة وأصدقاء وضيوفًا، ويحتاج إلى إقامة ونقل ومطاعم وخدمات ترفيهية، فضلًا عن إنفاق مباشر على المناسبة.
كما أن حفلات الأعراس في المدن والمناطق الساحلية كانت تمثل عنصرًا مهمًا في دعم المطاعم والمنشآت البحرية والفنادق خلال الموسم السياحي.
ومن هنا، فإن استعادة سياحة الأعراس يمكن أن تصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تنشيط السياحة اللبنانية، خصوصًا عبر استهداف المغتربين والترويج للبنان كوجهة متخصصة في حفلات الزفاف والمناسبات.
السياحة البحرية تحت الضغط أيضًا
الأزمة لم تتوقف عند حفلات الأعراس، إذ امتدت إلى الموسم السياحي البحري، الذي سجل بدوره تراجعًا يقدر بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، وفق تصريحات فرنجية، بالتزامن مع انخفاض أعداد المغتربين الوافدين.
وفي المناطق السياحية مثل البترون وجبيل وجونية، تراوح انخفاض المداخيل بين 30% و35%، بينما تجاوز التراجع 80% في مناطق الجنوب، في مؤشر على التأثير المباشر للعامل الأمني في توزيع النشاط السياحي جغرافيًا.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت التكاليف التشغيلية نتيجة زيادة أسعار الطاقة والمازوت والمواد الأولية وأجور العاملين، لتجد المنشآت نفسها أمام معادلة صعبة: إقبال أقل مقابل تكلفة تشغيل أعلى.
الطيران.. الحلقة الأكثر حساسية
تظل تكلفة السفر واحدة من أبرز العوائق أمام استعادة الحركة السياحية، خصوصًا بالنسبة للعائلات اللبنانية المقيمة في أميركا وأوروبا.
وأشار فرنجية إلى ارتفاع تكلفة تذاكر الطيران، مع وصول تكلفة الرحلة للفرد إلى نحو 2000 دولار في بعض الحالات، فيما تتراوح تكلفة السفر من الولايات المتحدة في الدرجة الاقتصادية بين 3500 و4000 دولار، وفق ما ذكره.
وهذه الأرقام، إذا استمرت، تجعل قرار السفر العائلي أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تكون الرحلة مرتبطة بحفل زفاف يحتاج إلى إقامة عدة أيام ومصاريف إضافية.
وبالتالي يصبح سعر تذكرة الطيران عنصرًا مؤثرًا في تنافسية لبنان أمام وجهات أخرى يمكن أن تستضيف حفلات الأعراس بتكلفة إجمالية أقل وأكثر قابلية للتنبؤ.
المواطن اللبناني.. سائح محلي تحت ضغط الأزمة
ولا تقتصر المشكلة على السائح القادم من الخارج، إذ تراجع أيضًا الإنفاق السياحي للمواطن اللبناني داخل بلاده.
فالمواطن الذي كان يذهب إلى الشاطئ عدة مرات أسبوعيًا أصبح يقلص زياراته، فيما تراجع الإنفاق داخل المنتجعات والمطاعم والمنشآت السياحية نتيجة تآكل القدرة الشرائية.
وهذا يعني أن القطاع يخسر في الوقت نفسه مصدرين رئيسيين للطلب: السائح والمغترب من الخارج، والسائح المحلي من الداخل.
ويزيد ذلك من صعوبة الحفاظ على استدامة المنشآت السياحية التي تتحمل في الوقت نفسه ارتفاعًا في النفقات التشغيلية.
هل تتحول سياحة الأعراس إلى فرصة لإنقاذ الموسم؟
رغم الصورة الصعبة، يمكن أن تمثل سياحة الأعراس أحد القطاعات القادرة على دعم التعافي السياحي اللبناني، إذا توافرت الظروف الأمنية اللازمة وجرى التعامل معها باعتبارها منتجًا سياحيًا متكاملًا.
فلبنان يمتلك عناصر تنافسية مهمة: الطبيعة، والمطابخ المحلية، والخبرة في تنظيم المناسبات، والفنادق، والمطاعم، والمنتجعات الساحلية، فضلًا عن الانتشار الكبير للجالية اللبنانية حول العالم.
لكن تحويل هذه المقومات إلى قوة اقتصادية يحتاج إلى استراتيجية تسويقية متخصصة تستهدف المغتربين، وتقدم باقات تجمع بين حفل الزفاف والإقامة والطيران والرحلات السياحية والخدمات الترفيهية.
كما يمكن للفنادق والمنتجعات والمطاعم وشركات تنظيم المناسبات العمل على تصميم منتجات مرنة تناسب ميزانيات مختلفة، بدل الاعتماد فقط على حفلات الزفاف الفاخرة مرتفعة التكلفة.
الاستقرار أولًا.. ثم الاستثمار
تؤكد تجربة لبنان أن الاستثمار السياحي لا يعتمد على المنشآت وحدها، وإنما يحتاج إلى بيئة تسمح للسائح بالتخطيط المسبق.
فحفل الزفاف الذي كان يُحجز قبل عام يمكن أن يتحول إلى حجز ملغى خلال أيام إذا تبدلت الظروف الأمنية، بينما يمكن أن تتراجع الحجوزات الفندقية والطيران والمطاعم تبعًا لذلك.
ولهذا فإن عودة سياحة الأعراس والسياحة البحرية إلى مستوياتها السابقة لن تكون مرتبطة فقط بجودة الخدمات أو جمال الوجهة، وإنما باستعادة الثقة.
وفي النهاية، تكشف أزمة حفلات الأعراس في لبنان عن حقيقة أوسع: السياحة تبدأ من الإحساس بالأمان قبل أن تبدأ من حجز الفندق. فإذا عاد الاستقرار، يمكن للبنان أن يعيد استثمار حنين المغتربين إلى وطنهم وتحويله من مجرد زيارة عائلية إلى حركة سياحية واقتصادية متكاملة، تمتد من المطارات إلى الفنادق، ومن الشواطئ إلى قاعات الأفراح، وتعيد تنشيط قطاعات تحتاج بشدة إلى عودة الطلب.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر