الرئيسية / توريزم نيوز / كوم الخلجان يفتح بوابة سياحة الدلتا وآلاف السنين من الحضارة أمام الاستثمار
كوم الخلجان يفتح بوابة سياحة الدلتا وآلاف السنين من الحضارة أمام الاستثمار
كوم الخلجان يفتح بوابة سياحة الدلتا وآلاف السنين من الحضارة أمام الاستثمار

كوم الخلجان يفتح بوابة سياحة الدلتا وآلاف السنين من الحضارة أمام الاستثمار

كتب – أحمد رزق : لا تتوقف أهمية الكشف الأثري الجديد بمنطقة كوم الخلجان في محافظة الدقهلية عند حدود العثور على مقابر ولقى أثرية تعود إلى آلاف السنين، وإنما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يفتح الموقع الباب أمام إعادة اكتشاف شرق الدلتا كمنطقة قابلة لصناعة منتج سياحي ثقافي متكامل، يربط بين التراث المصري القديم ومسارات السفر الحديثة، ويمنح الاستثمار السياحي فرصة للتوسع خارج المقاصد التقليدية.

وكشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار عن جبانة تمتد جذورها من عصر ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني، إلى جانب منطقة سكنية تعود إلى عصر الانتقال الثاني، بما يقدم سجلًا نادرًا لاستمرار الاستيطان البشري وتطور الحياة اليومية والممارسات الجنائزية في منطقة شرق الدلتا على مدار آلاف السنين.

ويمنح هذا التنوع الزمني للموقع قيمة سياحية خاصة، فالسائح لا يكتشف طبقة واحدة من التاريخ، وإنما أمام موقع يمكن أن يحكي قصة متصلة عن الإنسان والمجتمع والاقتصاد والعادات والطقوس في مصر القديمة عبر عصور متعاقبة.

من اكتشاف أثري إلى منتج سياحي جديد

وأشاد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، بجهود البعثة، مؤكدًا أن الكشف يمثل إضافة علمية مهمة تسهم في تعميق فهم تاريخ الدلتا وتطورها الحضاري، وتعكس في الوقت نفسه الكفاءة العلمية للأثريين المصريين.

لكن القيمة المستقبلية لكوم الخلجان قد تكون أكبر إذا انتقل الموقع من مرحلة «الكشف الأثري» إلى مرحلة «المنتج السياحي».

فامتلاك الدلتا لهذا الكم من المواقع الأثرية يطرح إمكانية تصميم مسارات سياحية جديدة تستهدف السائح المهتم بالحضارة المصرية، بحيث لا تظل رحلته محصورة في القاهرة والأقصر وأسوان، وإنما تمتد إلى شمال مصر وشرق الدلتا لاكتشاف الوجه الآخر من الحضارة المصرية.

وهنا يمكن أن تتحول الاكتشافات الأثرية المتتابعة إلى محطات على خريطة سياحية واحدة، تضم المواقع الأثرية والمتاحف والمناطق الطبيعية والمطاعم والمشروعات الفندقية والحرف المحلية.

آلاف السنين في موقع واحد

أكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن موقع كوم الخلجان يمثل أحد المواقع الواعدة في شرق الدلتا، بما يقدمه من سجل لتطور أنماط الاستيطان والممارسات الجنائزية وتفاعل الإنسان مع البيئة الطبيعية منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصرين اليوناني والروماني.

وتبدأ قصة الموقع من حضارة مصر السفلى «بوتو الأولى وبوتو الثانية»، التي تعود إلى النصف الأول من الألف الرابع قبل الميلاد.

وعثرت البعثة على مجموعة من المقابر ذات الحفر البيضاوية البسيطة المنحوتة في الطبقة الرملية، واحتوت على دفنات ذات أوضاع جنائزية مختلفة، إلى جانب أوانٍ فخارية صغيرة مصنوعة يدويًا وأصداف للمحار البحري.

وتكشف كثافة الدفنات عن وجود تجمع سكاني كبير في الموقع خلال تلك الفترة المبكرة، وهو ما يضيف بعدًا مهمًا لفهم نشأة المجتمعات في الدلتا قبل قيام الدولة المصرية القديمة.

«أواريس» تضيف بعدًا تاريخيًا وسياحيًا

ومن أكثر عناصر الكشف أهمية العثور على مقابر تعود إلى الأسرات الخامسة عشرة حتى السابعة عشرة وبدايات الدولة الحديثة، بما يؤكد استمرار الاستيطان خلال فترة الهكسوس، خصوصًا مع قرب الموقع من عاصمتهم «أواريس» في شرق الدلتا.

وهنا تظهر فرصة سياحية مهمة تتمثل في بناء سردية متكاملة حول منطقة شرق الدلتا باعتبارها مسرحًا لتفاعل حضاري وسياسي وتجاري مهم في تاريخ مصر القديمة.

فربط كوم الخلجان بالمواقع المرتبطة بأواريس والهكسوس يمكن أن ينتج مسارًا سياحيًا متخصصًا يستهدف السائحين والباحثين المهتمين بتاريخ مصر في عصر الانتقال الثاني والعلاقات المصرية بالشرق الأدنى القديم.

تفاصيل الحياة اليومية.. كنز لسياحة التجربة

ولا تقتصر أهمية الموقع على المقابر، إذ كشفت البعثة عن منطقة سكنية تضم بقايا مبانٍ من الطوب اللبن وصوامع لتخزين الحبوب وأفران ومواقد، إلى جانب جدران متعرجة أحاطت بالمباني السكنية والجنائزية.

وتزداد قيمة هذه المكتشفات سياحيًا لأنها تسمح بإعادة تقديم الحضارة المصرية بعيدًا عن فكرة «المقبرة والكنز» فقط.

فوجود الصوامع والأفران والمواقد وأدوات الحياة اليومية يتيح تقديم قصة الإنسان المصري العادي: ماذا كان يأكل؟ وكيف كان يخزن الحبوب؟ وكيف كان يعيش ويعمل؟

كما عثرت البعثة على كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات، إلى جانب أدوات حجرية وفخار، بما يقدم صورة عن النظام الغذائي والأنشطة الاقتصادية لسكان المنطقة.

وهذا النوع من المعلومات يمكن تحويله إلى محتوى تفاعلي داخل مركز زوار مستقبلي، أو عروض رقمية تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي وإعادة البناء ثلاثي الأبعاد.

الاستثمار الفندقي.. الحلقة التي تحتاجها الدلتا

إذا تحولت كوم الخلجان إلى موقع مفتوح للزيارة ضمن برنامج سياحي منظم، فإن السؤال التالي سيكون حول البنية الأساسية والطاقة الفندقية والخدمات.

فالسياحة الأثرية لا يمكن أن تنمو بمعزل عن الفنادق ووسائل النقل والمطاعم والخدمات السياحية.

ومن هنا، فإن تطوير المواقع الأثرية في الدلتا يمكن أن يخلق طلبًا جديدًا على مشروعات الإقامة الفندقية الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا الفنادق ذات الطابع التراثي والإقامات الريفية ومشروعات الضيافة المرتبطة بالبيئة المحلية.

كما يمكن أن تستفيد مدن الدلتا القريبة من المواقع الأثرية من تطوير خدمات النقل السياحي والمطاعم والمتاجر المتخصصة في المنتجات التراثية والحرف اليدوية.

«تل اليهودية».. قصة يمكن تسويقها عالميًا

وضمت المكتشفات أواني فخارية وقنينات من طراز «تل اليهودية»، وهو من السمات المميزة للفترة التاريخية المرتبطة بعصر الانتقال الثاني.

وتمثل هذه القطع فرصة لبناء محتوى سياحي وثقافي يشرح للسائح طبيعة العلاقات والتبادل الثقافي والتجاري الذي شهدته مصر في تلك الفترة.

فالسائح الحديث لا يبحث فقط عن مشاهدة القطعة الأثرية، وإنما يريد معرفة قصتها: من صنعها؟ وكيف وصلت إلى المكان؟ وما الذي تكشفه عن حياة المجتمع وعلاقاته بجيرانه؟

وهذه الطريقة في تقديم الآثار تجعل الموقع أكثر جاذبية للأجيال الجديدة من المسافرين الذين يعتمدون على التجربة والمعرفة في اختيار وجهاتهم.

من الطفل المدفون في أمفورتين إلى قصة ممتدة عبر العصور

ويقدم الكشف عن دفنة طفل داخل أمفورتين أعيد استخدامهما كوعاء للدفن، والتي ترجع إلى العصر البطلمي، مثالًا آخر على استمرار استخدام الموقع عبر العصور.

وهذه التفاصيل الإنسانية الصغيرة يمكن أن تكون جزءًا من سرد سياحي مختلف، يجعل الموقع قادرًا على تقديم تاريخ متنوع لا يقتصر على الملوك والنخبة، وإنما يروي أيضًا قصص الأطفال والأسر والمجتمعات التي عاشت في المنطقة.

ومن هنا يمكن توظيف تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي في إعادة بناء بعض المشاهد، بحيث يستطيع الزائر مشاهدة تصورات رقمية للمباني والمقابر والبيئة المحيطة بالموقع في عصور مختلفة.

الدلتا.. الوجه الآخر للحضارة المصرية

ويأتي كشف كوم الخلجان ليعيد طرح سؤال مهم حول خريطة السياحة الثقافية المصرية: هل حان الوقت لمنح الدلتا مساحة أكبر في البرامج السياحية الدولية؟

فمصر تمتلك تركيزًا استثنائيًا للمواقع الأثرية، لكن حركة السياحة تتركز بصورة أكبر في عدد محدود من المقاصد المعروفة عالميًا.

أما توسيع الخريطة السياحية ليشمل الدلتا فيمكن أن يساعد على توزيع الحركة السياحية جغرافيًا، وخلق فرص استثمارية جديدة، وزيادة متوسط مدة إقامة السائح من خلال تصميم برامج متعددة المحطات.

كما يمكن أن يسهم ذلك في تنمية المجتمعات المحلية وخلق وظائف مرتبطة بالإرشاد السياحي والنقل والضيافة والحرف والمطاعم والخدمات الثقافية.

الاكتشافات الأثرية.. وقود للاستثمار

ويؤكد استمرار أعمال الحفائر في كوم الخلجان أن الموقع لا يزال يحمل أسرارًا يمكن أن تكشف عنها المواسم المقبلة.

وهذا يعني أن القيمة الاستثمارية والسياحية للموقع قد تتزايد مع كل اكتشاف جديد، خصوصًا إذا جرى العمل بالتوازي على التوثيق العلمي والتطوير السياحي ووضع تصور متكامل لإدارة الموقع واستقباله للزائرين.

فالآثار المصرية لا تمثل فقط ذاكرة وطنية، وإنما يمكن أن تكون أصلًا اقتصاديًا مستدامًا إذا جرى الحفاظ عليها وإدارتها وتقديمها للسائح بطريقة عصرية.

وفي النهاية، فإن كوم الخلجان لا يضيف مجرد صفحة جديدة إلى كتب التاريخ، وإنما قد يضيف وجهة جديدة إلى خريطة السياحة المصرية؛ وجهة تكشف أن الدلتا لم تكن هامشًا في قصة الحضارة، بل كانت مسرحًا حيًا للاستيطان والتجارة والثقافة والتفاعل الإنساني عبر آلاف السنين.

وإذا نجحت الدولة في تحويل هذا الرصيد الأثري إلى مسارات سياحية ومراكز زوار وخدمات فندقية ونقل وتجارب تفاعلية، فإن كل مقبرة وكل صومعة وكل قطعة فخار مكتشفة لن تكون مجرد أثر من الماضي، بل يمكن أن تصبح جزءًا من اقتصاد سياحي جديد يربط تراث مصر القديم باستثمارات المستقبل.

إقرأ أيضاً :

“OECD” تبرز جهود الدولة المصرية في تطوير القطاع السياحي وتحويله رقمياً

شاهد أيضاً

الراية الحمراء ترسم خريطة مصايف الإسكندرية والسلامة أولًا في شواطئ العجمي

الراية الحمراء ترسم خريطة مصايف الإسكندرية والسلامة أولًا في شواطئ العجمي

كتبت – دعاء سمير : رفعت الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية الراية الحمراء بجميع شواطئ القطاع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *