كتب – أحمد زكي : في خطوة تعكس تنامي المكانة الدولية لمدينة جدة كمنصة للفعاليات والمؤتمرات والشراكات العابرة للحدود، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتدريب والإعلام «UN MTC» تعيين الدكتور هاني الشريف وكيلاً لها في محافظة جدة بالمملكة العربية السعودية، بالتزامن مع تتويجه بجائزة «القائد المؤثر»، في احتفالية شهدت حضورًا لافتًا من شخصيات دبلوماسية وفكرية ومجتمعية.
ويكتسب هذا التعيين أهمية تتجاوز البعد التنظيمي للمنظمة، في ظل التحولات التي تشهدها جدة والمملكة عمومًا على صعيد استضافة المؤتمرات والفعاليات الدولية، وما يرتبط بها من حركة سفر وإقامة وفندقة وضيافة، بما يجعل صناعة الفعاليات أحد المحركات المتنامية للسياحة الاقتصادية وسياحة الأعمال.
جدة.. منصة جديدة للفعاليات الدولية
ويأتي اختيار جدة مقرًا لوكالة المنظمة في وقت تواصل فيه المدينة تعزيز حضورها كمركز إقليمي لاستضافة الفعاليات الدولية والمنتديات والمؤتمرات، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، وبنيتها التحتية، وتطور منظومة الضيافة والخدمات المرتبطة بسياحة الأعمال.
وتخلق الفعاليات الدولية حركة اقتصادية لا تقتصر على قاعات المؤتمرات، وإنما تمتد إلى شركات الطيران والفنادق والمطاعم والنقل السياحي ومراكز التسوق والأنشطة الترفيهية، وهو ما يرفع القيمة الاقتصادية للزائر القادم بغرض المشاركة في مؤتمر أو فعالية مقارنة بأنماط أخرى من الزيارات.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يمثل وجود كيان دولي للتدريب والإعلام في جدة فرصة لتعزيز تنظيم برامج تدريبية ومؤتمرات وملتقيات تستقطب مشاركين من دول مختلفة، بما يدعم تدفقات الزوار ويعزز الطلب على الخدمات السياحية والفندقية.
«القائد المؤثر».. الاستثمار في العنصر البشري
وجاء تتويج الدكتور هاني الشريف بجائزة «القائد المؤثر» تقديرًا، بحسب المنظمة، لسيرته المهنية وقدراته القيادية، حيث أكد الدكتور محمد أبوزيد، المدير العام للمنظمة، أن اختيار الشريف جاء عن جدارة واستحقاق، مشيدًا بما يمثله من كوادر وطنية سعودية وقدرات قيادية متميزة.
ويعكس مفهوم «القائد المؤثر» توجهًا يتجاوز التكريم التقليدي للشخصيات العامة، نحو التركيز على أهمية الاستثمار في الإنسان باعتباره المحرك الأساسي للتنمية.
وتزداد أهمية هذا الجانب في قطاع السياحة والضيافة، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على العنصر البشري، بداية من العاملين في الفنادق وشركات الطيران، مرورًا بمنظمي المؤتمرات والفعاليات، ووصولًا إلى العاملين في الإرشاد السياحي والخدمات المساندة.
التنمية المستدامة في قلب الرؤية الجديدة
وفي كلمته خلال حفل التتويج، أكد الدكتور هاني الشريف أن التنمية المستدامة أصبحت حجر الزاوية في بناء القوة المؤسسية والنهوض بالشباب، مشددًا على أن تحقيق النجاح الدولي في هذا المسار يتطلب تضافر مختلف الجهود.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية تقدم نموذجًا دوليًا في هذا المجال، استنادًا إلى مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وتتوافق هذه الرؤية مع التحولات العالمية في صناعة السياحة، التي أصبحت تربط بين النمو السياحي والحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافية، ورفع كفاءة المجتمعات المحلية، وتطوير فرص العمل أمام الشباب.
وبالنسبة لمدن مثل جدة، فإن تطبيق مفاهيم الاستدامة في الفعاليات والمؤتمرات يمكن أن يضيف قيمة جديدة لصناعة سياحة الأعمال، من خلال تنظيم فعاليات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والمياه، وتقليل المخلفات، وتشجيع استخدام المنتجات والخدمات المحلية.
السياحة والمؤتمرات.. اقتصاد متكامل
ويُنظر إلى سياحة المؤتمرات والفعاليات باعتبارها واحدة من أكثر الأنماط قدرة على تنشيط قطاعات متعددة في وقت واحد.
فالزائر الذي يصل إلى جدة لحضور مؤتمر أو برنامج تدريبي يحتاج إلى تذكرة طيران، وفندق، ونقل، ومطاعم، وربما يمدد إقامته لاكتشاف المعالم السياحية والترفيهية في المدينة والمناطق المحيطة بها.
ومن هنا، فإن استضافة المؤسسات والمنظمات الدولية للبرامج التدريبية والملتقيات والمنتديات تمثل عنصرًا داعمًا لسوق السفر والفندقة، خاصة عندما تتحول الفعالية من حدث قصير إلى برنامج متكرر يستقطب مشاركين من أسواق مختلفة.
آلية عمل جديدة من جدة
وأوضح الدكتور محمد أبوزيد أن اختيار جدة مقرًا للوكالة يعكس الثقل الاستراتيجي والدولي للمدينة، كاشفًا عن بدء التنسيق مع الدكتور هاني الشريف لإطلاق آلية عمل متكاملة لتنظيم مهام الأعضاء وإدارتها خلال الأيام المقبلة.
ويمكن أن تمثل هذه الآلية بداية لمرحلة أكثر تنظيمًا في عمل المنظمة داخل المملكة، مع إمكانية توسيع نطاق البرامج التدريبية والإعلامية والإنسانية التي تنفذها، بما يفتح المجال أمام مزيد من الشراكات مع المؤسسات الحكومية والخاصة والجهات التعليمية والثقافية.
كما يمكن للبرامج التي تستهدف الشباب أن تساهم في بناء كوادر تمتلك مهارات القيادة والتواصل والإعلام وإدارة الفعاليات، وهي مهارات تتزايد الحاجة إليها مع نمو قطاعات السياحة والضيافة والترفيه وسياحة الأعمال.
من «صناع الأمل» إلى «القادة المؤثرين»
ويأتي تعيين الشريف ضمن سلسلة من المبادرات والفعاليات التي تقول المنظمة إنها تستهدف دعم العمل الإنساني والتطوعي والتدريب والتواصل الدولي.
وكان من أبرز هذه الفعاليات مؤتمر «صناع الأمل»، الذي شهد حضور وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي، إلى جانب مؤتمر «القادة المؤثرون»، الذي شارك فيه عدد من السفراء والدبلوماسيين والمفكرين والشخصيات العامة، من بينهم وزير الإعلام المصري الأسبق اللواء طارق المهدي، ونخبة من المسؤولين والدبلوماسيين من دول مختلفة.
وتمنح هذه المشاركات الدولية تلك الفعاليات بعدًا يتجاوز حدود الاحتفال، لتتحول إلى منصات للتعارف وبناء الشراكات وتبادل الخبرات، وهي العناصر نفسها التي تقوم عليها صناعة المؤتمرات الدولية والسياحة المرتبطة بها.
فرصة لجدة لتعزيز سياحة المعرفة
ويأتي وجود وكالة «UN MTC» في جدة في توقيت يمكن أن تستفيد فيه المدينة من تنامي الطلب العالمي على سياحة المعرفة والتدريب والمؤتمرات.
فالسائح الحديث لم يعد يبحث فقط عن الشاطئ أو المعالم السياحية، وإنما أصبحت المعرفة والتدريب وحضور المؤتمرات والمنتديات الدولية دوافع رئيسية للسفر، وهو ما يخلق نمطًا من السياحة يجمع بين العمل والتعلم والترفيه.
ومن الممكن أن تستفيد جدة من هذا النمو عبر ربط برامج التدريب والمؤتمرات بالتجارب السياحية والثقافية والترفيهية، بما يشجع المشاركين على تمديد إقامتهم واكتشاف المدينة، ويزيد من الإنفاق السياحي داخل الاقتصاد المحلي.
الاستثمار في الإنسان يوازي الاستثمار في المنشآت
وتكشف هذه الخطوة عن حقيقة مهمة في صناعة السياحة والفعاليات، وهي أن بناء الفنادق ومراكز المؤتمرات والبنية التحتية لا يكفي وحده لصناعة وجهة دولية ناجحة، إذ تحتاج المدن أيضًا إلى كوادر قادرة على إدارة هذه المنظومة بكفاءة.
ومن هنا، فإن التركيز على القيادة والتدريب وتأهيل الشباب يمثل استثمارًا غير مباشر في القطاع السياحي، لأنه يرفع جودة الخدمات ويعزز قدرة المدن على استضافة الفعاليات الكبرى وجذب المؤسسات الدولية.
وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول جدة إلى نموذج يجمع بين سياحة الأعمال، والسياحة الثقافية، والتدريب الدولي، والفعاليات الإنسانية، بما يعزز مكانتها على خريطة السفر العالمية.
ويبقى التحدي خلال المرحلة المقبلة هو تحويل التعيين والفعاليات الدولية إلى برامج مستدامة ذات أثر اقتصادي ومجتمعي واضح، بحيث لا تقتصر نتائجها على أيام انعقاد المؤتمرات، وإنما تمتد إلى حركة مستمرة من السفر والتدريب والشراكات والاستثمار.
وهكذا، فإن اختيار جدة مقرًا لوكالة «UN MTC» وتكريم الدكتور هاني الشريف بجائزة «القائد المؤثر» يمكن قراءته من زاوية أوسع باعتباره جزءًا من حراك متنامٍ نحو توظيف القيادة والمعرفة والفعاليات الدولية في دعم الاقتصاد السياحي وصناعة السفر والضيافة، بما يتماشى مع التحولات التي تشهدها المملكة في إطار رؤية 2030.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر