كتبت_شيماء رمضان: تتصدر أرقام السياحة العالمية عناوين الأخبار بصورة مستمرة، سواء عند الإعلان عن أعداد السائحين الدوليين أو حجم إنفاق الزوار أو مساهمة قطاع السفر والسياحة في الاقتصاد العالمي، لكن مقارنة الأرقام الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للسياحة والمجلس العالمي للسفر والسياحة “WTTC” تكشف أن اختلاف النتائج لا يعني بالضرورة وجود خطأ في الإحصاءات، وإنما يرتبط في كثير من الأحيان باختلاف المؤشرات والمنهجيات التي تعتمدها كل جهة في قياس القطاع.
وتأتي هذه المسألة في توقيت مهم، بعدما كشفت أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن نحو 690 مليون سائح دولي سافروا حول العالم خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، بزيادة بلغت 0.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، أي نحو 3 ملايين رحلة دولية إضافية.
كما ارتفعت حركة السياحة العالمية بنسبة 2% خلال الربع الأول من العام، قبل أن تتراجع بنسبة 1% في الربع الثاني، متأثرة بعدد من العوامل، من بينها التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف السفر.
ماذا تقيس سياحة الأمم المتحدة؟
تعتمد منظمة الأمم المتحدة للسياحة بصورة أساسية على مؤشرات مرتبطة بحركة السياحة الدولية، ومن أبرزها أعداد الوافدين الدوليين، إلى جانب بيانات الإنفاق والإيرادات وغيرها من المؤشرات السياحية التي تجمع من الدول وفق أطر إحصائية دولية.
وتتميز هذه البيانات بأنها تستند إلى منظومة إحصائية دولية لها تعريفات ومنهجيات معتمدة، كما تعمل منظومة الأمم المتحدة الإحصائية بالتعاون مع منظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة على تطوير المعايير الدولية لإحصاءات السياحة.
ويُعد “البارومتر العالمي للسياحة” من الأدوات الرئيسية لمتابعة الاتجاهات قصيرة الأجل في حركة السياحة الدولية.
لكن عدد الوافدين وحده لا يقدم صورة كاملة عن قوة النشاط السياحي؛ فالسائح الذي يزور أكثر من دولة خلال رحلة واحدة يمكن أن يظهر في إحصاءات كل دولة باعتباره وافدًا دوليًا، كما أن الرقم لا يوضح بمفرده مدة الإقامة أو حجم الإنفاق أو التأثير الاقتصادي الكامل للرحلة.
ماذا يقيس WTTC؟
في المقابل، يركز المجلس العالمي للسفر والسياحة “WTTC” بصورة أكبر على الأثر الاقتصادي الأوسع لقطاع السفر والسياحة، ولذلك تتضمن أبحاثه مؤشرات مثل مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، والوظائف، وإنفاق الزوار الدوليين، والإنفاق المحلي، إلى جانب التأثيرات غير المباشرة والمستحثة المرتبطة بسلاسل الإمداد والقطاعات الأخرى.
وتوضح منهجية WTTC أن أبحاث التأثير الاقتصادي تستخدم البيانات الرسمية المتاحة، ثم تضيف تقديرات لحساب التأثيرات المباشرة وغير المباشرة والمستحثة لقطاع السفر والسياحة.
كما يتم تحديث البيانات التاريخية سنويًا مع تحديث المنهجية والافتراضات الاقتصادية المستخدمة في النماذج.
ومن هنا يمكن فهم سبب ظهور أرقام مختلفة بين المؤسستين عند الحديث عن “حجم السياحة”؛ فكل منهما قد يكون بصدد الإجابة عن سؤال مختلف. منظمة الأمم المتحدة للسياحة تركز بصورة أكبر على قياس حركة السياح والمؤشرات السياحية المباشرة، بينما يحاول WTTC قياس البصمة الاقتصادية الأوسع للقطاع.
هل اختلاف الأرقام يعني أن أحد الطرفين غير موثوق؟
ليس بالضرورة. فاختلاف الرقم لا يعني تلقائيًا أن إحدى الإحصاءات خاطئة، وإنما يجب أولًا معرفة ماذا يقيس الرقم، وما الفترة الزمنية التي يغطيها، وما التعريف المستخدم، وهل الرقم يمثل بيانات فعلية أم تقديرات أو توقعات.
وتؤكد بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن منهجيات منظمة الأمم المتحدة للسياحة وWTTC تختلف في نطاق القياس الاقتصادي؛ إذ تركز بيانات الأمم المتحدة في بعض مؤشرات الأثر الاقتصادي على التأثيرات المباشرة، بينما يشمل WTTC التأثيرات غير المباشرة والمستحثة، وهو ما يجعل الأرقام غير قابلة للمقارنة المباشرة في بعض الحالات.
لماذا يحتاج القارئ إلى قراءة الرقم في سياقه؟
تكمن أهمية هذه المقارنة في أن رقمًا واحدًا لا يستطيع بمفرده وصف حالة السياحة العالمية، فارتفاع أعداد الوافدين لا يعني بالضرورة ارتفاع الإنفاق بنفس النسبة، كما أن نمو مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي لا يعني بالضرورة زيادة أعداد السائحين بالنسبة نفسها.
وتوضح بيانات 2026 هذه النقطة بوضوح؛ ففي الوقت الذي سجلت فيه السياحة الدولية نموًا محدودًا بلغ 0.4% خلال النصف الأول من العام، يتوقع WTTC أن يسهم قطاع السفر والسياحة بنحو 12 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي خلال 2026، بما يعادل نحو 9.9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق أحدث أبحاثه الاقتصادية.
وبالتالي، فإن التعامل مع إحصاءات السياحة العالمية يحتاج إلى النظر إلى أعداد الوافدين والإنفاق والإقامة والمساهمة الاقتصادية والوظائف باعتبارها مؤشرات مكملة لبعضها، وليس أرقامًا متنافسة بالضرورة.
وتكشف المقارنة بين سياحة الأمم المتحدة وWTTC أن السؤال الأهم ليس “أي رقم صحيح؟”، وإنما “ماذا يقيس كل رقم، وكيف جرى احتسابه، وما الذي يمكن استنتاجه منه؟”، وهي قاعدة أساسية لفهم الاتجاهات الحقيقية للسياحة العالمية بعيدًا عن قراءة الأرقام بصورة منفصلة عن سياقها.
أقرا أيضا:
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر