كتب_أحمد زكي : بالتزامن مع جُملة التحديات المتصاعدة التي تُواجه الملاحة في البحر الأحمر؛ تطرح عودة عمليات اختطاف عدد من السفن التجارية، ومهاجمتها قرب السواحل الصومالية، حالةً من التساؤلات بشأن مدى إمكانية عودة ظاهرة القرصنة الصومالية للبحر الأحمر، بعد أن نجح المجتمع الدولي منذ عام 2017م في مواجهة هذه الظاهرة في السواحل الصومالية، ورفع المنظمة البحرية الدولية تصنيف المحيط الهندي كمنطقة شديدة الخطورة للقرصنة.
فقد شهد شهر نوفمبر عام 2023م اختطاف سفينة صيد إيرانية مِن قِبَل قراصنة صوماليين، الذين طالبوا بفدية قدرها 400 ألف دولار ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي حدثت في نهاية العام الماضي؛ ففي ديسمبر من العام نفسه، وقعت عدة حوادث قرصنة؛ حيث أعلنت هيئة عمليات التجارة، التابعة للبحرية البريطانية، عن اختطاف سفينة تجارية، واتجاه السفينة نحو الصومال، ووجودها على بعد 680 ميلًا بحريًّا شرق ميناء بوصاصو الصومالي.([2])
كما أعلنت الوكالة البريطانية لمراقبة التجارة البحرية عن اختطاف سفينة تجارية، بالقرب من بلدة إيل، وهي بلدة ساحلية في منطقة بونتلاند قبالة سواحل الصومال.
وفي يناير عام 2024م، اختطف قراصنة صوماليون السفينة “ليلا نورفولك” التي كانت تحمل العلم الليبيري وعلى متنها 15 هنديًّا و6 فلبينين.
وعلى الرغم من تقرير مركز التعاون والتوعية بالمعلومات البحرية، الذي أكد تراجع أعمال القرصنة في جميع أنحاء العالم خلال عام 2023م إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2008م إلا أن تزايد هجمات القرصنة الصومالية في الفترة الأخيرة، تطرح التساؤلات بشأن توقيت عودة أعمال القرصنة للبحر الأحمر، وقدرتها على تنفيذ هجمات في منطقة خليج عدن، وهل هي حوادث عرضية يسهل السيطرة عليها أم عودة لنشاط القرصنة مرة أخرى؟
استغلال حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر:
استغل القراصنة الصوماليون استهداف الحوثيين لعدة سفن بالقرب من باب المندب، ومصادرة بعضها، وما نتج عن ذلك من حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر، وتزايد اهتمام المجتمع الدولي بمواجهة هجمات الحوثيين بشكل كبير، ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإعلان عن تشكيل قوة دولية تشمل دوريات مشتركة في البحر الأحمر لمواجهة هذه الهجمات، مما صرف الانتباه عن حوادث القرصنة، وترتب عنه عودة نشاط القرصنة قرب السواحل الصومالية واختطاف السفن
تخفيف تدابير مكافحة القرصنة:
مع نجاح الجهود الدولية والإقليمية في مواجهة ظاهرة القرصنة في الصومال؛ تم تخفيف تدابير مكافحة القرصنة، سواء ما يتعلق بالدعم المالي المقدَّم للحكومة الصومالية، أو ما يتعلق برفع المحيط الهندي من المناطق عالية المخاطر.
فضلًا عن تخفيف مهام عملية أتلاتنا (وهي عملية عسكرية تابعة للاتحاد الأوروبي لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال)، على الرغم مما تتَّسم به من أهمية في مواجهة أعمال القرصنة، بل مؤخرًا اقترح الاتحاد الأوروبي توسيع تفويض مهمته لمكافحة القرصنة قبالة القرن الإفريقي لمساعدة العملية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة لمكافحة الهجمات التي يشنّها الحوثيون في اليمن على الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يشير إلى مزيد من تخفيف التدابير تجاه القرصنة الصومالية.
عدم معالجة الأسباب الجذرية لظهور القرصنة في الصومال
ساهمت أنشطة الصيد غير القانونية، التي تمارسها الشركات الأجنبية في استنزاف المخزون السمكي في الصومال، الذي يشكّل أحد مصادر الدخل الرئيسية لسكان المقاطاعات الساحلية بما في ذلك بونتلاند، مما نتج عنه تضرُّر الكثير من الصيادين الصوماليين، ومع ذلك لا يزال الصيد غير القانوني يقوّض سُبل العيش الصومالية؛ حيث تستمر عمليات الصيد غير المشروع، وإن قلت عن السابق، فضلًا عن إعطاء إدارة بونتلاند مئات التراخيص للسفن الأجنبية. حيث منحت مؤخرًا نحو 300 ترخيص لقوارب الصيد الإيرانية في بونتلاند، في الوقت الذي يشكو الصيادون المحليون من تعرُّضهم للمضايقات مِن قِبَل القوارب الإيرانية، التي لديها معدات أكثر تطورًا بكثير، مما يجعل من الصعب عليهم كَسْب لقمة عيشهم، ويعزز التوجُّه نحو ممارسة القرصنة.
استمرار ثقافة “القرصنة ليست جريمة”
يعتبر العديد من الصوماليين القراصنة “وطنيين حقيقيين” يحاربون نَهْب الأصول الوطنية، وتغريم السفن الأجنبية التي تُوجّه لها الاتهامات بحرمان الصوماليين من ثرواتهم الوطنية، وإلقاء النفايات السامة في المياه الإقليمية الصومالية.
كما أن القراصنة الصوماليين لا يعتبرون أنفسهم مجرد صيادين مظلومين، وفي حاجة إلى المال للحصول على الطعام، بل يعتبرون أنفسهم أبطالًا وطنيين يدافعون عن ساحلهم الوطني ومواردهم الطبيعية؛ حيث تنتشر ثقافة أنه إذا كان خطف السفينة يعتبر قرصنة، فإن سرقة الأسماك يجب أن يعتبر قرصنة أيضًا؛ لذلك فإنه تحظى أنشطة القراصنة في الصومال بدعم محلي.
وينظر السكان المحليون الصوماليون إلى القرصنة على أنها عمل عادي لا يسبب ضررًا مباشرًا لهم؛ إذ يتم استخدام الأموال المكتسبة لتعزيز اقتصادهم. وعلى الرغم من مطالبة بعض الصوماليين بالأمن والحذر من الأسلحة التي يحملها القراصنة علنًا، ومع ذلك فهم يستفيدون من بيع الإمدادات الغذائية والقات، الأمر الذي أدى إلى نمو المدن الساحلية مثل مقديشو وكيسمايو.
افتقار السيطرة والسيادة على كل أقاليم الدولة
يعتمد القراصنة الصوماليون على السكان المحليين في الأراضي التي لا تخضع لسيطرة الحکومة الصومالية؛ لتوفير الملاجئ، والطعام وأماکن احتجاز الرهائن، وعلى الرغم مما حقَّقه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من تقدُّم في مواجهة حركة الشباب والسيطرة على بعض المناطق؛ إلا أنه ما يزال هناك الكثير من المناطق غير الخاضعة لسلطة الدولة المركزية، ويتم استخدامها مِن قِبَل القراصنة لممارسة نشاطهم.
تدهور الأوضاع الاقتصادية
يعاني الصومال من تراجُع الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفقر وزيادة التضخم وارتفاع مستويات الفساد، فضلًا عن التداعيات الكارثية لظاهرة التغير المناخي، ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، يُواجه واحد من كل أربعة صوماليين انعدام الأمن الغذائي كما أنه طوال عام 2022م، ولمدة خمسة مواسم متتالية، وضع انخفاض الأمطار البلاد في ظروف جفاف شديدة تفوق فترات الجفاف في 2010-2011م و2016-2017م؛ من حيث المدة والشدة والنطاق، مما ترتب عليه ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاجون إلى المساعدة الإنسانية إلى 8.3 مليون شخص في البلاد (أكثر من 50%).
كما تسبب الجفاف كذلك في نزوح أكثر من مليوني شخص من منازلهم بحثًا عن الماء والغذاء والمراعي، هذه الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تشجّع الشباب على الانضمام للعمل مع القراصنة؛ على الرغم مما يحمله ذلك من مخاطر؛ إلا أن هذا النشاط سيوفر لهم دخلًا يستطيعون من خلاله مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة في الصومال.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر