الرئيسية / لايف استايل / تورزم ديلي نيوز تقدم قراءة في موجات الهجوم على كاظم الساهر
الفنان العراقي كاظم الساهر
الفنان العراقي كاظم الساهر

تورزم ديلي نيوز تقدم قراءة في موجات الهجوم على كاظم الساهر

كتب – أحمد زكي : يُعدّ الفنان العراقي كاظم الساهر، الملقّب بـ”قيصر الغناء العربي”، أحد أبرز الرموز الثقافية التي حملت الأغنية العراقية إلى الفضاء العربي والعالمي، وأسهم في ترسيخ حضورها بوصفها خطابًا فنيًا وجماليًا عابرًا للحدود. وعلى الرغم من هذا الرصيد الفني الممتد لأكثر من ثلاثة عقود، لا تخلو الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي من موجات نقد وهجوم متكرّرة تصدر عن بعض الأصوات داخل العراق، تتنوّع مبرّراتها بين اتهامات بالتخلّي عن اللهجة العراقية، أو الابتعاد الجغرافي عن الوطن، أو عدم الالتزام بتوقيتات ومناسبات دينية، وصولًا إلى التشكيك في جدوى عطائه للعراقيين.

ينطلق موقع “تورزم ديلي نيوز” في دراسته من مقاربة صحفية ذات طابع أكاديمي، لتحليل هذه الظاهرة من منظور نفسي-اجتماعي، وربطها بإشكاليات الهوية، والتوقّعات الجماهيرية، وصورة “الفنان المهاجر” في المخيال الجمعي العراقي، فضلًا عن رصد دور بعض أصحاب المصالح في تأجيج هذا الخطاب.

التحليل النفسي الثقافي

من منظور التحليل النفسي، تُفسَّر موجات الهجوم على الشخصيات الناجحة عالميًا بوصفها نتاجًا لآليات دفاعية مرتبطة بالإحباط الجمعي والشعور بالعجز أمام واقع اجتماعي وسياسي معقّد. وفي حالة كاظم الساهر، يظهر الإسقاط النفسي بوصفه أحد أبرز هذه الآليات؛ إذ يعمد بعض الأفراد إلى تحويل مشاعر الغيرة أو الإخفاق الشخصي إلى انتقاد موجّه نحو رمز ناجح، بما يخفف من وطأة الشعور بالنقص الداخلي.

كما يبرز التنافر المعرفي عاملًا مهمًا في هذا السياق، حيث يصطدم النموذج المثالي الذي يرسمه جزء من الجمهور للفنان من حيث اللهجة، والسلوك، والمواقف بالواقع الفعلي لاختياراته الفنية والمهنية. وعند تعذّر التوفيق بين الصورة الذهنية والحقيقة، يتحوّل الإعجاب إلى هجوم بوصفه وسيلة نفسية لتبرير خيبة الأمل.

وتتجلى كذلك ثقافة الملكية العاطفية، التي يتعامل من خلالها بعض الجمهور مع الفنان بوصفه «ملكًا» لجمهوره المحلي، ينبغي أن يظل ملتزمًا حرفيًا بتوقعاته. ووفق هذا التصور، يُنظر إلى أي خروج عن الإطار المحلي—سواء في اللغة أو الحضور المكاني أو طبيعة الإنتاج الفني على أنه تقصير أو تخلٍّ عن الانتماء.

وفي ما يتعلّق بالاتهامات المرتبطة باستخدام العربية الفصحى أو لهجات غير عراقية، فإنها تعكس حساسية الهوية في مجتمع عانى طويلًا من الحروب والانقسامات. فقد تحوّلت اللهجة والرموز الثقافية إلى خطوط تماس وجدانية، وأصبح الحفاظ عليها مرتبطًا في وعي البعض بفكرة الصمود الوطني. من هذا المنطلق، يُساء تفسير خيار الساهر الفني بوصفه ابتعادًا عن الجذور، رغم كونه جزءًا من مسار عالمي تبنّته تجارب فنية عربية كبرى.

تعقيدات الواقع الأمني والسياسي

أما الانتقادات المتعلقة بعدم زيارة العراق أو بعض مدنه، ولا سيما البصرة، فتحمل بعدًا وجدانيًا أكثر من كونها تقييمًا موضوعيًا. إذ يربط منتقدو الساهر بين الحضور الجسدي والدعم الرمزي، متجاهلين تعقيدات الواقع الأمني والسياسي، فضلًا عن حق الفنان في إدارة مسيرته المهنية. ويتحوّل الغياب المكاني، في هذه الحالة، إلى رمز نفسي يُسقَط عليه الإحساس العام بالفقد والحرمان.

وتكشف الاتهامات المتصلة بالمناسبات الدينية عن إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الفن بالدين في المجتمعات العربية. فبينما يُنظر إلى الغناء والطرب بوصفهما فعلًا جماليًا مستقلًا، يتوقّع بعض الجمهور خضوع النشاط الفني لتقويم ديني صارم، ما يضع الفنان في موضع مساءلة أخلاقية بدل تقييمه فنيًا.

من جهة أخرى، يعبّر النقد القائل بأن الساهر «لم يقدّم ما ينفع العراقيين» عن اختزال مفهوم العطاء في أشكال مادية مباشرة، كالتبرعات أو المشاريع الخدمية، مع إغفال الدور الرمزي والثقافي الذي أدّاه في رفع اسم العراق عالميًا، والحفاظ على حضور الأغنية العراقية في زمن طغت فيه صور الصراع والأزمات.

ويتعزّز هذا الخطاب في ظل ظروف اجتماعية وسياسية صعبة، رفعت منسوب الحساسية تجاه مفهومي الوفاء والانتماء. ونتيجة لذلك، يُقاس نجاح الشخصية العراقية في الخارج بمدى انعكاسه الفوري على الداخل، وعندما لا يلمس المواطن أثرًا مباشرًا، يتحوّل الإعجاب إلى نقد أو هجوم.

كما لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن دور بعض أصحاب المصالح في استثمار الهجوم، سواء بدافع البحث عن الظهور الإعلامي، أو تبرير الفشل الشخصي، أو ركوب موجة الغضب الجماعي. فالهجوم على اسم بحجم كاظم الساهر يوفّر منصة جاهزة لصناعة الجدل، وخلق اصطفافات تخدم أجندات فنية أو إعلامية أو حتى سياسية، لا علاقة لها بجوهر التجربة الفنية.

أزمات ومكانه ثقافية مركبة

يخلص هذا التقرير إلى أن الهجوم المتكرّر على كاظم الساهر لا يعكس، في جوهره، تراجعًا في قيمته الفنية أو مكانته الثقافية، بقدر ما يُجسّد أزمات مركّبة تتعلّق بالهوية، والتوقعات المثالية، والقلق الجمعي في مجتمع مثقل بالتحولات. وبينما يراه كثيرون رمزًا عراقيًا عالميًا نجح في صون التراث الغنائي وتقديمه بلغة معاصرة، يصرّ آخرون على محاسبته وفق معايير وجدانية لا تمسّ جوهر عطائه الفني. وفي هذا التباين، يظل اسم كاظم الساهر شاهدًا على تعقيد العلاقة بين المبدع ووطنه، أكثر من كونه موضوعًا لنقد فني خالص.

إقرأ أيضاً :

رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات الطاقة المتجددة

شاهد أيضاً

طريقة صحية لعمل الفتة .. كيف تستمتع بالمذاق الشرقي دون حموضة أو عسر هضم؟

طريقة صحية لعمل الفتة .. كيف تستمتع بالمذاق الشرقي دون حموضة أو عسر هضم؟

كتبت – دعاء سمير – وكالات : تظل “الفتة” الطبق الأبرز على الموائد في المناسبات وعيد …