كتبت – دعاء سمير : لم تعد منظومة الشكاوى الحكومية مجرد قناة لتلقي بلاغات المواطنين وحل مشكلاتهم، وإنما تتحول تدريجيًا إلى أداة لقياس جودة الخدمات العامة ورصد نقاط الضعف في المحافظات والقطاعات الحيوية، وهو ما يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للسياحة والاستثمار الفندقي، باعتبارهما قطاعين يعتمدان بدرجة كبيرة على كفاءة الخدمات وسرعة الاستجابة وجودة التجربة.
وتكشف حصيلة عمل منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة خلال يوليو الماضي عن حجم ضخم من البيانات يمكن توظيفه في تطوير المقاصد السياحية، بعدما تعاملت المنظومة مع نحو 229 ألف شكوى وطلب واستفسار، جرى توجيه 192 ألفًا منها إلى جهات الاختصاص، بما يمثل 84% من إجمالي ما تم استقباله.
وتأتي هذه المؤشرات في الوقت الذي وجه فيه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، باستمرار تنويع قنوات التواصل المباشر والفعال مع المواطنين، والعمل على سرعة تلقي الشكاوى والطلبات والاستفسارات، مع ضرورة معالجة أسباب المشكلات وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
من «شكوى» إلى مؤشر لقياس جودة المقصد
من منظور سياحي، تمثل الشكاوى الحكومية قاعدة بيانات مهمة يمكن من خلالها التعرف على المشكلات التي تؤثر في جودة الحياة والخدمات داخل المدن والمناطق السياحية.
فالسائح لا يقيس المقصد من خلال الفندق أو الموقع الأثري فقط، وإنما من خلال منظومة متكاملة تبدأ من المطار والطريق ووسائل النقل، وتمتد إلى الكهرباء والمياه والنظافة والأمن والاتصالات والخدمات الصحية، وصولًا إلى سهولة التعامل مع الجهات المختلفة.
وبالتالي، فإن كل شكوى يتم تسجيلها ومعالجتها تمثل في الوقت نفسه معلومة يمكن الاستفادة منها في تحسين المنتج السياحي ورفع قدرة المدن على استقبال مزيد من الزوار والاستثمارات.
السياحة والآثار ضمن الوزارات الأعلى إنجازًا
وأظهرت مؤشرات الأداء خلال يوليو تحقيق عدد من الوزارات معدلات إنجاز متميزة في التعامل مع الشكاوى، ومن بينها وزارة السياحة والآثار، وهو مؤشر يحمل أهمية خاصة في ظل خطط الدولة لزيادة أعداد السائحين ورفع الطاقة الفندقية وتعظيم العائد من القطاع.
وتكتسب سرعة التعامل مع الشكاوى السياحية أهمية مزدوجة؛ لأنها لا تتعلق فقط بالمواطنين، وإنما تمتد إلى المستثمرين والعاملين في القطاع والمرشدين السياحيين والمنشآت الفندقية والزوار، بما يجعل منظومة التواصل جزءًا من منظومة تحسين مناخ الاستثمار السياحي.
المحافظات.. الحلقة الأهم في التجربة السياحية
وتكشف البيانات أن المحافظات اختصت بنحو 17% من إجمالي الشكاوى والطلبات الموجهة إلى الجهات المعنية، مع تعامل تسع محافظات مع 74% من إجمالي الشكاوى الموجهة للمحافظات.
والأكثر أهمية بالنسبة للسياحة أن قائمة المحافظات التي حققت معدلات إنجاز متميزة ضمت عددًا من المقاصد السياحية الرئيسية، من بينها أسوان، السويس، بورسعيد، الإسماعيلية، جنوب سيناء، قنا، الأقصر، المنيا، أسيوط، سوهاج، الفيوم، مطروح، القاهرة والبحيرة.
وتعني هذه المؤشرات أن تطوير آليات التعامل مع الشكاوى في المحافظات السياحية يمكن أن يتحول إلى عنصر مباشر في تحسين تجربة الزائر، خصوصًا أن السائح يتعامل مع المدينة كمنتج واحد لا كجهات حكومية منفصلة.
جنوب سيناء والأقصر وأسوان.. الخدمة جزء من المنتج السياحي
وتكتسب سرعة الاستجابة أهمية استثنائية في محافظات مثل جنوب سيناء والأقصر وأسوان ومطروح، التي تعتمد اقتصاداتها المحلية بدرجات متفاوتة على السياحة.
ففي المدن السياحية، قد تتحول مشكلة في المياه أو الكهرباء أو الطرق أو النظافة أو النقل إلى عنصر مؤثر في الصورة الذهنية للمقصد، بينما يمكن للتدخل السريع أن يمنع المشكلة من التحول إلى أزمة تؤثر في رضا الزائر أو سمعة المنطقة.
ومن هنا، فإن منظومة الشكاوى يمكن أن تؤدي دورًا يتجاوز الوظيفة الإدارية إلى نظام إنذار مبكر يساعد المحافظات على اكتشاف المشكلات المتكررة قبل تفاقمها.
الفنادق والمطاعم تستفيد من «اقتصاد الاستجابة»
ويمتد تأثير جودة الخدمات العامة إلى القطاع الفندقي بصورة مباشرة.
فالمستثمر الذي يدرس إقامة فندق جديد لا ينظر فقط إلى حجم الطلب السياحي، وإنما يضع في حساباته كفاءة البنية الأساسية واستقرار الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل والأمن وسرعة تعامل الأجهزة التنفيذية مع المشكلات.
كما أن الفنادق والمطاعم والمنشآت السياحية تحتاج إلى بيئة إدارية سريعة الاستجابة، خصوصًا في التعامل مع التراخيص والخدمات والمرافق والاشتراطات المختلفة.
وبالتالي، فإن نجاح منظومة الشكاوى في تقليص زمن الاستجابة يمكن أن يصبح عاملًا داعمًا لمناخ الاستثمار، إذا تحولت البيانات الناتجة عنها إلى قرارات استباقية لتحسين الخدمات.
36 ألف شكوى في الإسكان والمرافق.. ماذا تعني للسياحة؟
تعاملت المنظومة مع نحو 36 ألف شكوى وطلب واستفسار في قطاعي الإسكان والمرافق، منها 23.3 ألف شكوى وطلب وبلاغ واستفسار مرتبطة بقطاع الإسكان، و12.7 ألف شكوى مرتبطة بالمرافق.
ومن الزاوية السياحية، تكشف هذه الأرقام أهمية الخدمات الأساسية في المدن التي تشهد توسعًا عمرانيًا وسياحيًا سريعًا.
فالمشروعات الفندقية الجديدة تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب التوسع، كما أن جودة المياه والصرف والكهرباء والطرق تمثل عناصر أساسية في أي قرار استثماري طويل الأجل.
ولهذا فإن تحليل الشكاوى المتعلقة بالمرافق يمكن أن يساعد في تحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل استثماري قبل التوسع في إقامة منشآت سياحية جديدة.
الكهرباء والطاقة.. أمن التشغيل الفندقي
وتعاملت منظومة الشكاوى مع نحو 13.6 ألف شكوى وطلب في قطاع الكهرباء والطاقة خلال يوليو.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة بالنسبة للفنادق والمنتجعات، التي تعتمد بصورة أساسية على استقرار الطاقة لتشغيل غرف الإقامة والمطاعم والمطابخ وأنظمة التبريد والمصاعد والمرافق الترفيهية.
ومع توسع مصر في الطاقة الفندقية واستهدافها استقبال أعداد أكبر من السائحين، تصبح استدامة الكهرباء عنصرًا أساسيًا في القدرة على تشغيل المنشآت بكفاءة والحفاظ على مستوى الخدمة.
925 شكوى في النقل.. والسائح يبدأ رحلته من الطريق
وتعاملت وزارة النقل مع 925 شكوى وطلبًا تتعلق بخدمات السكك الحديدية ومترو الأنفاق والنقل البري والنهري.
ورغم أن الرقم يبدو محدودًا مقارنة بإجمالي المنظومة، فإن قطاع النقل يمثل أحد أهم عناصر التجربة السياحية.
فالسائح الذي يصل إلى القاهرة أو الأقصر أو أسوان أو أي مقصد آخر لا ينفصل عن منظومة النقل المحلية، كما أن تحسين النقل العام والسكك الحديدية والنقل النهري يمكن أن يفتح المجال أمام برامج سياحية أكثر تنوعًا وأقل تكلفة.
وتزداد أهمية ذلك مع تنامي الطلب على التجارب السياحية التي تجمع بين أكثر من مدينة ومقصد، وهو ما يجعل النقل عنصرًا أساسيًا في تصميم البرامج السياحية الحديثة.
النظافة والبيئة.. «الصورة السياحية» تبدأ من الشارع
وتفاعلت المنظومة مع نحو 9129 شكوى وبلاغًا بيئيًا خلال يوليو، تناولت تراكم القمامة والحيوانات الضالة وغيرها من المشكلات.
وهذه الأرقام تحمل دلالة مباشرة بالنسبة للسياحة؛ فالانطباع الأول عن المدينة يبدأ من الشارع والميدان والطريق المؤدي إلى الفندق أو الموقع الأثري.
ومن ثم، فإن معالجة الشكاوى البيئية لا ترتبط فقط بتحسين حياة المواطنين، وإنما تساهم في تحسين الصورة البصرية للمقصد السياحي وتعزيز جاذبيته للاستثمار.
الصحة.. ضمان إضافي للسائح والاستثمار
وسجل قطاع الصحة نحو 15.7 ألف شكوى واستغاثة خلال يوليو، مع حسم آلاف الحالات الطبية التي احتاجت إلى تدخل عاجل.
ويمثل القطاع الصحي أحد عناصر القوة الناعمة للمقصد السياحي، خصوصًا مع تنامي السياحة العلاجية والاستشفائية، التي تحتاج إلى منظومة صحية متكاملة لا تقتصر على المنشآت الطبية وإنما تشمل سرعة الاستجابة وجودة الخدمات المساندة.
كما أن وجود منظومة صحية قوية يرفع مستوى ثقة المستثمرين في إنشاء الفنادق والمنتجعات والمشروعات السياحية، خصوصًا في المقاصد البعيدة عن القاهرة.
الاستثمار السياحي يحتاج إلى «حكومة تستمع»
وتكشف بيانات المنظومة كذلك عن التعامل مع شكاوى وطلبات مرتبطة بتحسين بيئة الاستثمار وتنشيط الصناعة، بلغت 143 شكوى وطلبًا، تناولت من بين موضوعاتها تيسير إجراءات التراخيص الصناعية واستخراج الوثائق وتسجيل المنشآت والحصول على الأراضي.
وبالنسبة للاستثمار السياحي، فإن الفكرة ذاتها تنطبق على التراخيص وتخصيص الأراضي وإجراءات إقامة الفنادق والمنتجعات والخدمات المرتبطة بها.
فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز، وإنما يبحث أيضًا عن وضوح الإجراءات وسرعة إنجازها والقدرة على حل المشكلات عندما تظهر.
«البيانات» قد تصبح أهم مخرجات منظومة الشكاوى
وتكمن القيمة الأكبر في هذه المنظومة في أنها تنتج كمية ضخمة من البيانات اليومية حول المشكلات الفعلية التي يواجهها المواطنون.
وإذا جرى تحليل هذه البيانات جغرافيًا وزمنيًا وقطاعيًا، يمكن تحديد المناطق الأكثر احتياجًا للاستثمار في البنية الأساسية، ورصد الخدمات التي تتكرر بشأنها الشكاوى، وتحديد أسباب المشكلات قبل تحولها إلى عوائق أمام السياحة والاستثمار.
وهنا يمكن أن تتحول منظومة الشكاوى من مجرد آلية لتلقي البلاغات إلى منصة لصناعة القرار السياحي والخدمي.
السياحة ليست فندقًا فقط
وتؤكد حصيلة يوليو أن نجاح السياحة المصرية لا يعتمد على عدد الغرف الفندقية وحده، وإنما على جودة المنظومة المحيطة بها.
فالطريق الجيد، والمياه المستقرة، والكهرباء، والنظافة، والنقل، والأمن، والخدمات الصحية، وسرعة الاستجابة للشكاوى، كلها مكونات غير مرئية للمنتج السياحي لكنها تحدد في النهاية تجربة الزائر وقرار المستثمر.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى توجيهات رئيس الوزراء باستمرار تطوير قنوات التواصل مع المواطنين باعتبارها خطوة تتجاوز تحسين الخدمة الحكومية إلى بناء مقصد سياحي أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة.
فكل شكوى يتم حلها بسرعة لا تعني فقط إرضاء مواطن، وإنما قد تعني أيضًا حماية سمعة مدينة، وتحسين تجربة سائح، وتقليل مخاطر مشروع فندقي، ورفع جاذبية منطقة أمام المستثمرين.
وهكذا تتحول «شكوى المواطن» من مجرد مشكلة إدارية إلى مؤشر اقتصادي وسياحي يمكن أن يساعد مصر على بناء وجهات أكثر جاهزية لاستقبال السائح والاستثمار في الوقت نفسه.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر