وكالات : لم تعد تحركات أسعار الغذاء العالمية قضية اقتصادية بعيدة عن قطاع السياحة، بعدما سجلت أسعار السلع الغذائية ارتفاعًا ملموسًا خلال يوليو، في تطور يضع الفنادق والمطاعم وشركات تنظيم الرحلات أمام تحدٍ جديد يتمثل في ارتفاع تكلفة التشغيل، واحتمالات إعادة حساب أسعار الخدمات السياحية خلال الفترة المقبلة.
وأعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» ارتفاع مؤشرها العام لأسعار الأغذية إلى 131.1 نقطة في يوليو، مقابل 130.3 نقطة في يونيو، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدفوعًا بتأثيرات الطقس السيئ وتصاعد النزاعات واضطراب حركة التجارة والإمدادات العالمية.
ورغم أن المؤشر لا يزال أقل بنسبة 18.2% من الذروة التاريخية التي سجلها في مارس 2022 عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، فإن عودته إلى مستويات مرتفعة تعيد المخاوف بشأن موجة جديدة من تضخم تكاليف الغذاء، بما ينعكس بصورة مباشرة على صناعة الضيافة والسياحة.
الفندق أول المتأثرين بارتفاع أسعار الغذاء
ويمثل الغذاء أحد المكونات الرئيسية لتكلفة تشغيل الفنادق والمنتجعات، خصوصًا المنشآت التي تعتمد على أنظمة الإقامة الشاملة أو نصف الإقامة، والتي تقدم الإفطار والغداء والعشاء ضمن باقات الإقامة.
وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت والسكر، إلى جانب تكاليف النقل والطاقة والمواد الخام، يضغط على هوامش أرباح المنشآت الفندقية، ويدفع إداراتها إلى البحث عن بدائل للحفاظ على مستوى الخدمة دون تحميل النزيل كامل الزيادة.
وتزداد أهمية هذا الأمر في الوجهات التي تعتمد بدرجة كبيرة على السياحة الشاطئية والعائلية، حيث تمثل المطاعم وخدمات الأغذية والمشروبات جزءًا رئيسيًا من تجربة السائح ومن إجمالي إنفاقه داخل المنشأة.
القمح يرفع تكلفة «السلة السياحية»
وسجل مؤشر أسعار الحبوب ارتفاعًا بنسبة 3.4% خلال يوليو، فيما قفز سعر القمح بنسبة 5.8%، وسط مخاوف من اضطراب صادرات البحر الأسود وتأثير موجات الحرارة على مناطق الإنتاج الرئيسية.
ويعني ذلك بالنسبة لقطاع الضيافة ارتفاع تكلفة مجموعة واسعة من المنتجات التي تدخل في الوجبات اليومية، بداية من الخبز والمخبوزات والمعجنات وحتى بعض منتجات الإفطار والوجبات السريعة.
ولا يتوقف التأثير عند الفندق، إذ تمتد تداعيات أسعار القمح إلى المطاعم السياحية وشركات الإعاشة التي تقدم خدماتها للفنادق والرحلات البحرية وشركات الطيران.
الزيوت النباتية.. ضغط جديد على المطاعم
كما ارتفع مؤشر أسعار الزيوت النباتية بنسبة 2% خلال يوليو، ليسجل أعلى مستوى له منذ يونيو 2022، مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط الخام وزيادة الطلب على إنتاج الديزل الحيوي، ولا سيما زيت النخيل وزيت الصويا.
ويمثل الزيت مكونًا أساسيًا في صناعة الأغذية، ما يجعل ارتفاع أسعاره عنصرًا مؤثرًا في تكلفة المطاعم الفندقية والمنشآت السياحية.
وقد تصبح إدارة تكلفة المطبخ الفندقي أكثر تعقيدًا خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة والعمالة والنقل بالتوازي مع أسعار المواد الغذائية.
السكر يدخل قائمة الضغوط
ولم يكن السكر بعيدًا عن موجة الارتفاع، بعدما زادت أسعاره بنسبة 5.6% خلال يوليو، نتيجة مخاوف مرتبطة بالظروف الجوية في أوروبا وآسيا وتوقعات زيادة الطلب على الإيثانول في البرازيل.
ويظهر تأثير السكر في قطاع السياحة بصورة أوسع مما يبدو، إذ يدخل في المشروبات والحلويات والمخبوزات ومنتجات الإفطار، إضافة إلى خدمات الضيافة المقدمة في الفنادق والمطارات وشركات الطيران.
ومع ارتفاع الطلب السياحي خلال مواسم الذروة، يمكن أن تتحول هذه الزيادات الصغيرة في كل منتج إلى تكلفة تشغيلية ملموسة على مستوى المنشأة.
الطقس والنزاعات يعيدان رسم خريطة السياحة
ويربط كبير الاقتصاديين في «فاو» موجة التضخم الغذائي الجديدة بتداعيات الصراعات في إيران وأوكرانيا وظاهرة النينيو، وما تسببه من ارتفاع التكاليف وتراجع إنتاجية المحاصيل.
وتكشف هذه التطورات عن حقيقة مهمة بالنسبة لصناعة السياحة: السائح قد يحجز فندقًا في بلد بعيد عن مناطق الصراع، لكنه يظل متأثرًا بما يحدث في أسواق الحبوب والطاقة والنقل حول العالم.
فاضطراب طريق تجاري أو تراجع محصول في منطقة إنتاج رئيسية يمكن أن ينتقل تأثيره عبر سلاسل الإمداد إلى الفندق والمطعم في وجهة سياحية بعيدة.
شركات السياحة أمام معادلة الأسعار
ويمتد تأثير التضخم الغذائي كذلك إلى شركات تنظيم الرحلات، خصوصًا التي تبيع برامج تتضمن الإقامة والوجبات والتنقلات.
فأي ارتفاع في تكلفة الفندق أو المطعم أو خدمات الإعاشة يضع منظمي الرحلات أمام خيارين: رفع أسعار البرامج، أو تقليص هامش الربح، أو إعادة تصميم الخدمات المقدمة للسائح.
وقد يؤدي استمرار الضغوط إلى زيادة الاتجاه نحو برامج أكثر مرونة، تسمح للسائح باختيار الخدمات الإضافية بدل إدراج جميع الوجبات والأنشطة في السعر الأساسي.
انخفاض اللحوم والألبان يمنح الفنادق متنفسًا
وفي المقابل، حمل تقرير «فاو» بعض الأخبار الإيجابية لقطاع الضيافة، إذ انخفضت أسعار اللحوم بنسبة 2.8% مقارنة بمستوياتها القياسية في يونيو، مع تراجع أسعار لحوم الدواجن والأبقار، بينما ارتفعت أسعار لحوم الأغنام بسبب نقص الإمدادات من أوقيانوسيا.
كما تراجعت أسعار منتجات الألبان بنسبة 0.7%.
ويمكن لهذه الانخفاضات أن توفر هامشًا محدودًا للفنادق والمطاعم لامتصاص جزء من الزيادة في تكلفة الحبوب والزيوت والسكر، خصوصًا المنشآت التي تعتمد على تنوع كبير في قوائم الطعام.
هل يدفع التضخم السائح إلى خفض الإنفاق؟
التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بارتفاع تكلفة تشغيل الفندق، وإنما باحتمال انتقال الزيادة إلى سعر الرحلة النهائية.
فالسائح العالمي أصبح أكثر حساسية للأسعار بعد سنوات من التضخم، وقد يؤدي ارتفاع تكلفة الإقامة والوجبات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق أثناء الرحلة.
وقد يختار بعض المسافرين فنادق أقل تكلفة، أو يقللون من تناول الطعام خارج الفندق، أو يستبدلون بعض الأنشطة المدفوعة ببرامج مجانية، وهو ما يمكن أن يؤثر على الإيرادات غير الفندقية في الوجهات السياحية.
فرصة لإعادة هيكلة المطابخ الفندقية
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يتحول ارتفاع أسعار الغذاء إلى فرصة أمام القطاع الفندقي لإعادة التفكير في إدارة المطابخ وسلاسل الإمداد.
فزيادة الاعتماد على المنتجات المحلية، وتقليل الهدر، وتحسين إدارة المخزون، والتعاقد طويل الأجل مع الموردين، وتطوير قوائم الطعام وفق المواسم، كلها أدوات يمكن أن تساعد المنشآت على مواجهة التضخم دون الإضرار بجودة التجربة السياحية.
كما أن مفهوم «المطبخ المستدام» يمكن أن يتحول من شعار بيئي إلى أداة اقتصادية، عبر تقليل الفاقد والاستفادة القصوى من المنتجات المحلية.
السياحة أمام اختبار جديد
ورغم أن مؤشر «فاو» لا يزال بعيدًا عن مستوياته القياسية المسجلة في مارس 2022، فإن الارتفاع المتواصل خلال يوليو يمثل جرس إنذار لصناعة السياحة والضيافة، خصوصًا إذا تزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة والنقل وتكاليف العمالة.
فالسياحة صناعة تعتمد على سلسلة طويلة تبدأ من المزرعة وتنتهي بتجربة السائح داخل الفندق أو المطعم أو على متن الطائرة.
وبالتالي، فإن أزمة محصول أو ارتفاع سعر سلعة غذائية في دولة بعيدة يمكن أن يجد طريقه في النهاية إلى فاتورة الفندق أو سعر الوجبة أو تكلفة البرنامج السياحي.
ومن هنا، فإن التحدي أمام صناعة السياحة العالمية خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط كيف تجذب السائح؟، وإنما أيضًا كيف تحافظ على جودة تجربته وأسعارها التنافسية في عالم أصبحت فيه فاتورة الغذاء جزءًا متزايدًا من تكلفة السفر؟
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر