كتبت_شيماء رمضان: في خطوة استثنائية تعكس تأثير التغيرات المناخية على قطاع السياحة العالمي، قررت السلطات في سريلانكا تقييد دخول السياح إلى مناطق رئيسية داخل حديقة يالا الوطنية، إحدى أشهر الوجهات الطبيعية في البلاد، بسبب موجة جفاف وحرارة شديدة تهدد الحياة البرية وتضغط على مصادر المياه.
وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه سريلانكا واحدة من أسوأ موجات الجفاف التي شهدتها البلاد منذ سنوات، بالتزامن مع توقعات بتفاقم الظروف المناخية مع استمرار تأثير ظاهرة «إل نينيو»، ما دفع السلطات إلى إعطاء الأولوية لحماية الحيوانات حتى لو كان ذلك على حساب جزء من النشاط السياحي خلال الفترة المقبلة.
إغلاق مؤقت لمناطق جذب السياح
ومن المقرر إغلاق المنطقتين الأولى والثانية من حديقة يالا أمام الزوار اعتبارًا من 14 سبتمبر وحتى 15 أكتوبر 2026، بينما تظل مناطق أخرى من الحديقة مفتوحة أمام السياح. وأكد الموقع الرسمي للحديقة أن القرار يأتي في ظل الجفاف والإجهاد الحراري الذي تتعرض له الحياة البرية.
ويُعد القرار غير معتاد، خاصة أن يالا تحظى بشعبية كبيرة بين السياح الراغبين في مشاهدة الحيوانات البرية، وعلى رأسها الفهود والفيلة والتماسيح والغزلان.
المياه أصبحت أهم من رحلات السفاري
وتكشف الأزمة عن مشهد غير مألوف داخل الحديقة؛ إذ أصبحت شاحنات المياه تتحرك بشكل يومي لتزويد مصادر المياه التي تعتمد عليها الحيوانات، في محاولة للتخفيف من آثار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وتحتاج الحيوانات إلى الوصول بسهولة إلى أماكن المياه دون ازدحام سيارات السفاري، خصوصًا أن مناطق تجمع المياه أصبحت نقاطًا حيوية للحيوانات التي تعاني من الإجهاد الحراري.
الحيوانات أولًا.. قرار يغيّر شكل التجربة السياحية
لم يكن قرار تقييد السياحة سهلًا، خصوصًا أن الموسم السياحي يمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية في البلاد، لكن مسؤولي الحياة البرية أكدوا أن الظروف الحالية تتطلب إعطاء الحيوانات مساحة ووقتًا للتعامل مع نقص المياه والحرارة المرتفعة.
وبدلًا من السماح بتدفق سيارات السياح إلى المناطق الأكثر ازدحامًا، قررت السلطات منح الحياة البرية فرصة للبحث عن المياه والاستفادة منها دون الضغط الناتج عن حركة الزوار.
الجفاف يضرب السياحة والحياة اليومية
ولا تقتصر آثار موجة الجفاف على الحيوانات أو القطاع السياحي فقط، إذ تواجه مناطق مختلفة من سريلانكا نقصًا حادًا في المياه، بينما يعتمد عشرات الآلاف من السكان على إمدادات مياه طارئة.
كما تضررت الزراعة في عدد من المناطق، مع تراجع مصادر المياه وتأثر المزارعين ومربي الماشية بارتفاع درجات الحرارة ونقص الأمطار.
“إل نينيو” يرفع المخاوف
وتزداد المخاوف مع استمرار تأثير ظاهرة «إل نينيو»، التي ترتبط بتغيرات مناخية حادة في مناطق مختلفة من العالم.
وكانت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية قد حذرت من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح من الأقوى المسجلة، مع احتمالات استمرار تأثيراتها حتى عام 2027، ما يرفع مخاطر موجات الجفاف والحرارة والظواهر الجوية المتطرفة في عدد من المناطق.
هل تعود يالا إلى طبيعتها؟
تأمل السلطات أن تسمح تحسن الظروف الجوية بإعادة فتح المناطق المغلقة أمام السياح، لكن موعد العودة الكاملة يعتمد بدرجة كبيرة على حالة الطقس وتوافر المياه.
ويظل الجزء الأكبر من الحديقة متاحًا للزوار، بينما تستمر إجراءات حماية الحيوانات في المناطق الأكثر تضررًا من الجفاف.
السياحة المستدامة أمام اختبار حقيقي
وتطرح أزمة يالا سؤالًا مهمًا حول مستقبل السياحة الطبيعية حول العالم: هل يمكن أن تستمر الرحلات السياحية إلى المناطق البرية بالطريقة نفسها مع تزايد موجات الحرارة والجفاف؟
فما يحدث في سريلانكا يقدم نموذجًا واضحًا على أن حماية الطبيعة قد تتطلب أحيانًا تقليل أعداد الزوار، أو حتى إغلاق مناطق سياحية بالكامل لفترة مؤقتة.
وفي النهاية، تبدو رسالة يالا واضحة: السياحة يمكن أن تنتظر، لكن الطبيعة والحياة البرية لا يمكن تأجيل حمايتهما.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر