كتبت_شيماء رمضان: لم تعد السينما مجرد وسيلة للترفيه أو صناعة النجوم، بل أصبحت في كثير من دول العالم إحدى الأدوات التي تساهم في تشكيل صورة الوجهات السياحية في ذهن الجمهور، فالمشاهد الذي يرى مدينة أو شارعًا أو فندقًا أو معلمًا طبيعيًا بصورة جذابة على الشاشة قد يتحول من مجرد متفرج إلى سائح يرغب في زيارة المكان واكتشافه بنفسه.
وتُعرف هذه الظاهرة باسم “السياحة السينمائية”، وهي تقوم على ارتباط قرار السفر أحيانًا بالأماكن التي ظهرت في الأفلام والمسلسلات.
وتؤكد دراسات سياحية أن الأعمال الدرامية تستطيع زيادة شهرة الوجهات، وتحسين صورتها، وتحفيز الجمهور على زيارتها، وإن كان تأثيرها يختلف من دولة إلى أخرى ومن عمل فني إلى آخر.
تركيا.. الدراما تتحول إلى نافذة سياحية
تقدم تركيا نموذجًا واضحًا للعلاقة بين الدراما والسياحة، بعدما انتشرت المسلسلات التركية على نطاق واسع في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، وأصبحت إسطنبول وغيرها من المدن التركية حاضرة بصورة مستمرة أمام ملايين المشاهدين.
وأظهرت دراسة بحثية حول تأثير المسلسلات التركية في السياحة الوافدة أن زيادة ساعات عرض المسلسلات التركية في بعض الدول ارتبطت بزيادة تدفقات السياح منها إلى تركيا، كما وجدت الدراسة أن التأثير كان ملحوظًا بصورة أكبر لدى بعض الأسواق، ومنها السعودية، بينما لم يظهر التأثير بنفس الصورة في بلغاريا، وهو ما يؤكد أن الدراما عامل مؤثر لكنه ليس العامل الوحيد في قرار السفر.
فرنسا.. الأفلام تصنع رغبة في الزيارة
وفي فرنسا، أصبح تأثير السينما والدراما على السياحة محل دراسة مباشرة. وأظهرت دراسة نشرها المركز الوطني الفرنسي للسينما عام 2024 أن 80% من السياح الأجانب الذين تعرضوا لأفلام أو أعمال درامية فرنسية قالوا إن هذه الأعمال منحتهم رغبة في زيارة فرنسا، بينما ذكر 68% من إجمالي السياح المشاركين أنهم شعروا بهذه الرغبة.
كما أظهرت الدراسة أن أعمالًا مثل “المسلسل الفرنسي” و”إميلي في باريس” وغيرها من الأعمال المصورة في فرنسا ساهمت في إبراز المدن والمناطق وأنماط الحياة والثقافة أمام الجمهور، بينما أصبحت منصات المشاهدة الرقمية وسيلة رئيسية لوصول هذه الأعمال إلى المشاهدين حول العالم.
إسبانيا.. الشاشة تعرف السائح على المكان
وفي إسبانيا، بحثت دراسة متخصصة في السياحة السينمائية العلاقة بين مشاهدة المسلسلات ومعرفة الجمهور بالوجهات التي تظهر فيها، وخلصت إلى أن معرفة الوجهة والدافع لزيارتها يرتبطان بقرار زيارة الأماكن التي ظهرت على الشاشة، مع تسجيل تأثير أقوى لمعرفة الوجهة نفسها.
وهنا تظهر أهمية السينما كوسيلة غير مباشرة للترويج؛ فبدلًا من أن يرى السائح إعلانًا تقليديًا عن مدينة ما، يشاهد قصة وشخصيات وحياة يومية تدور في شوارعها، فيتكون لديه ارتباط عاطفي بالمكان قبل أن يضعه على خريطة رحلته.
مصر.. السينما توثق المكان وتصنع صورة للهوية
أما مصر، فتمتلك رصيدًا سينمائيًا ضخمًا يمكن النظر إليه باعتباره جزءًا من القوة الناعمة المصرية، وتبرز أعمال المخرج يوسف شاهين باعتبارها نموذجًا مهمًا في تقديم المدن والشوارع والحياة المصرية على الشاشة، بينما ساهمت الأعمال المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ في نقل تفاصيل المجتمع المصري وشخصياته وأحيائه إلى جمهور واسع داخل مصر وخارجها.
ولا يعني ذلك أن كل فيلم مصري أدى بصورة مباشرة إلى ارتفاع أعداد السائحين، فإثبات هذا النوع من العلاقة يحتاج إلى دراسات اقتصادية وسياحية منفصلة، لكن القيمة الأساسية تتمثل في أن السينما تستطيع تقديم “صورة المكان” بصورة يصعب أن تحققها الدعاية التقليدية وحدها.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة تناولت تأثير الأفلام في السياحة الداخلية بمحافظة الفيوم أن مشاهدة المواقع المصرية على الشاشة يمكن أن تؤثر إيجابيًا في الصورة الذهنية للوجهة، وأن الفيلم قد يعمل كأنه دليل سياحي افتراضي يعرّف الجمهور بالمكان قبل زيارته.
السياحة لا تبدأ دائمًا من تذكرة الطائرة
القضية هنا تتجاوز فكرة تصوير معلم سياحي داخل فيلم، إلى كيفية تحويل الإنتاج السينمائي نفسه إلى جزء من استراتيجية الترويج السياحي.
فالمكان الذي يظهر بصورة جذابة في عمل ناجح قد يكتسب شهرة جديدة، وقد تتحول مواقع التصوير إلى نقاط جذب، وتظهر حولها جولات وتجارب سياحية مرتبطة بالأفلام والمسلسلات.
ومن هنا تبرز فرصة أمام مصر للاستفادة بصورة أكبر من تاريخها السينمائي ومواقع التصوير المنتشرة في القاهرة والإسكندرية والصعيد وسيناء والواحات، وربط الإنتاج الفني بالترويج للوجهات، بحيث لا تكون السينما مجرد مرآة للمكان، وإنما بوابة تدفع المشاهد إلى التعرف عليه ثم التفكير في زيارته.
فالرحلة السياحية قد تبدأ أحيانًا من مشهد سينمائي.. قبل أن تبدأ من المطار.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر