الرئيسية / تجربتي / المغرب .. حكاية النقل الجوي قبل 100 سنة .. التحول إلى الطيران المدني
تحول دراماتيكي فى حركة الطيران العالمية
أرشيفية

المغرب .. حكاية النقل الجوي قبل 100 سنة .. التحول إلى الطيران المدني

كتب – أحمد رزق : شكل ظهور الطيران فى المغرب ، مطلع القرن الماضي، حدثا بارزا قلب موازين الحياة، وشكل وجها من وجوه التغلغل الاستعماري في البلاد بوسائله التقنية، التي حتمت عليه إدخال إصلاحات اقتصادية وإستراتيجية كانت منطلقا للمغرب العصري والحديث. في هذا الخاص تستعيد “الصباح”معكم قصة ظهور الطيران وتحليق أول طيارة فوق سماء البيضاء قبل أزيد من قرن من الزمان، واعتمدت بشكل أساسي في مواد هذا الخاص على كتاب “النقل والتنقل بمدينة الدار البيضاء وناحيتها، ما بين 1907 و1956” للباحثة إدريسية بخشوني الصادر عن منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

من طيران حربي إستعماري لطيران مدني.

بدأ الطيران في المغرب بالتحديد بالدار البيضاء خلال اللحظات الأولى للوجود الاستعماري الفرنسي في حلة عسكرية وبأهداف استعمارية، وفي هذا الإطار شيد الفرنسيون بالبيضاء مطارا عسكريا “كامب كازيس” ليتحول بعد نهاية الحملات العسكرية إلى مطار مدني، وهو الذي سيحمل في ما بعد “مطار أنفا”.
لكن حركة النقل الجوي المطردة دفعت السلطات الاستعمارية إلى بناء آخر رئيسي للتجارة، وآخر ثانوي للسياحة، إضافة إلى مطارات ثانوية أخرى.

في البدء كانت المناطيد

كان أول تدخل للطيران العسكري الفرنسي بالمغرب، خلال الحملة على فاس، انطلاقا من البيضاء، حين قام الطيار “بركي” bergui، بأول رحلة بين المدينتين في نونبر 1911، رمى خلالها منشورات تخبر القبائل بقدوم الفرنسيين لنشر الأمن بينهم.

وتلت تلك العملية بعض التجارب لسلاح الطيران الفرنسي سنة 1912، إذ قام في الأولى الملازم “فان دنفار” بجولة فوق سماء البيضاء قصد التجربة ونجح فيها في 26 مارس. تلتها بعد يومين تجربة أخرى للمناطيد الحربية التي ارتفعت على علو 400 متر فوق ناحية الشاوية، لضبط الآلات الطيارة.

وقام بعد ذلك الطيارون الحربيون في 11 ماي، برحلة أطول نوعا ما من البيضاء إلى الرباط، وكلف بعد ذلك المقيم العام الطيار “شوناك لناك”، بمهمة خاصة بشرق المغرب وغربه، بهدف تنظيم مصلحة الطيران العسكري بالمغرب.

وأدخل المشتغلون بفن الطيران خلال الحرب العالمية الأولى تحسينات كثيرة على المناطيد، مكنتها من قطع المسافات الطويلة في وقت وجيز، وبما أن فرنسا لم تكن قد بسطت سيطرتها على المغرب كاملا، فقد عملت على الاستفادة من هذا السلاح الجديد. ومن أجل النجاح في ذلك قامت سلطات الحماية بتهيئة المطارات، وميادين نزول الطائرات، في كل المناطق الإستراتيجية، وأوكلت مهمة الإسراع لتنفيذ الأشغال إلى القائد الكبير للهندسة العسكرية، الذي استفاد من تبسيط المساطر، خاصة في ما يخص التعجيل في نزع الملكية.

“كازيس” اسم على طيار

كانت الخطوة الأولى في اتجاه تعزيز بنية الاستقبال الخاصة بنشاط الطيران في المغرب ، من خلال مركز الطائرات الذي أحدثته سلطات الحماية سنة 1917 على بعد ستة كيلومترات جنوب المدينة، في الموقع الكائن ما بين الطريق التي تصل البيضاء ب”مازاكان” (الجديدة) ومقالع الشركة المكلفة بأشغال المرسى. وأصبح يعرف بمطار camp cazes أو معسكر “كازيس” نسبة لملازم يحمل الاسم نفسه، والذي توفي إثر سقوط طائرته بضواحي الصويرة في 23 شتنبر 1913.

المغرب .. حكاية النقل الجوي قبل 100 سنة .. التحول إلى الطيران المدني1
المغرب .. حكاية النقل الجوي قبل 100 سنة .. التحول إلى الطيران المدني

وفي 1923 فرضت الضرورة توسعة هذا المطار بإضافة مساحة أخرى إليه تفوق الهكتار، ليصبح قاعدة رئيسية لأهم العمليات العسكرية، التي قام بها سلاح الطيران الفرنسي بالمغرب، خاصة بعد تكوين الفوج 37 للطيران، وهو عبارة عن وحدة للسلاح الجوي الفرنسي تأسس خلال الحرب العالمية الأولى تشكل من الإدارة العليا بالرباط وحظيرة للطيران بالبيضاء، ضمت عشر كتائب لكل كتيبة ثماني طائرات ووحدة للتصوير الجوي.

ومع نهاية عمليات الاحتلال تم حل الفوج 37 للطيران، نهاية 1935، بعد أن قدم آخر استعراض له أمام العقيد “بوسكات” بمطار كازيس في دجنبر 1934.

ولم تنتف عن مطار “كازيس” (أنفا في ما بعد) وظيفته الحربية، بانتهاء عمليات الاحتلال، بل استعادها على الصعيد الدولي أثناء الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد 1943، إذ تحول إلى جانب باقي المطارات المغربية قاعدة جوية تنزل بها الطائرات الأمريكية والبريطانية، القادمة من وراء البحار، والمتوجهة إلى معارك القتال بالجزائر وتونس، ثم أوربا وآسيا.

مطارات مدنية

كانت الطائرات مقصورة على الاستخدام في بعض المهمات الاستطلاعية العسكرية، ثم تطورت وصارت تستخدم في المواصلات الاقتصادية بين الأقطار، وبحكم التطور الاقتصادي والديمغرافي الذي عرفته البيضاء، فإنها باتت في عهد الحماية تتوفر على مطارين رئيسيين هما مطار “البيضاء ـ كازيس” ومطار النواصر، ثم مطار السياحة بتيط مليل.

خدم الطيران العسكري الجانب المدني إلى جانب عمله الحربي، إذ استعمل في نقل البريد وإسعاف المرضى، وتنقل بعض رجال السلطة الفرنسية، وهو ما جعل سلطات الحماية تفكر في إنشاء مطارات مدنية، في أهم المدن المغربية، لتكون مؤهلة للاستجابة لحركة النقل الجوي، التي باتت تستهوي المغاربة والأجانب، على حد سواء.

وقرر نائب كاتب الدولة في الطيران سنة 1922، إنشاء مطار مدني: البيضاءـ كازيس. وللحفاظ على استقلالية المطار العسكري “كامب كازيس”، والتمييز بينه وبين المدني، اختار بقعة من ستة هكتارات شمال المحطة العسكرية، فصدر في السنة نفسها قراران، الأول في إعطاء صفة المنفعة للمصلحة العامة لإحداث محطة لإدارة الأسفار الجوية، في المكان المذكور، والثاني في نزع الملكية للأراضي اللازمة لذلك، والتي فاقت ستة هكتارات.

تنظيم السفر

واستخدم المطار في المواصلات التجارية ونقل البريد والركاب، وأخذت هذه الخدمة تتحسن يوما عن يوم، وكان يتم تنظيم السفر بسهولة، وهو الأمر الذي نال استحسان رجال الأعمال، إذ كانت هناك رحلات جوية تربط بين فرنسا والبيضاء أسبوعيا لتصير يوميا، وأنشئت خطوط جديدة ذات أهمية عالمية، فضلا عن الخطوط الداخلية، واشتد الإقبال على السفر جوا.

بالمقابل عمدت إدارة الحماية سنة 1937 إلى توسيع ميدان النزول في المطار، كما أخضعته سنتين بعد ذلك لتهيئة شاملة، هدفت من خلاله إلى توسيع القسم الأكبر في الجهة الشرقية، لتحسين محور غرب/ شرق، وتوسيع القسم الشمالي الغربي، وإنشاء مرأب طائرات من 70 مترا، وتزويده بكل وسائل السلامة العصرية، وركز المشروع على علامات إرشاد بمختلف المرافق المهمة بالمطار: كشاف ضوئي لنزول الطائرات، ومحطتان للمواصلات السلكية، ومجموعتان لتوليد الكهرباء، وتشييد مرفأ جوي عصري.

وظل مطار “البيضاء كازيس” والذي سيحمل اسم أنفا نسبة إلى المعاهدة، التي احتضنتها البيضاء سنة 1943، المطار الرئيسي للحماية الفرنسية إلى حدود مطلع الخمسينات، وكان يتوفر على مسار مدعم بالخرسانة من 1800 متر على خمسين مترا، وعدة حظائر ومرافق تقنية، بل كان في مقدمة المطارات الكبرى لما وراء البحار، قبل مطارات الجزائر وتونس ودكار وبرازافيل.

البيضاء النواصر

فرضت حاجيات الدفاع الأطلسي بناء قاعدة جوية بالمغرب، توازن تلك التي بالشمال في بريطانيا، لذلك فكر الأمريكيون في تشييدها بهبة مالية مهمة، وبجعل وسائل ميكانيكية متطورة رهن إشارة إدارة الحماية، فكانت هذه العملية فرصة للمغرب لإتمام تجهيزه الاقتصادي بسرعة، وفي ظروف حسنة.

ويعد مطار النواصر أكبر هذه القواعد وأهمها بشمال إفريقيا، إذ شيد بعد اتفاق بين وزارة الدفاع الأمريكي والحكومة الفرنسية سنة 1951، على مساحة 15 فدانا، على بعد 27 كيلومترا من البيضاء في اتجاه مراكش، وأشرف على بنائه العقيد “ديربي” وهو مهندس بالجيش الأمريكي.

وتكلف الجانب المغربي بتوفير مواد البناء الأساسية، من مياه ورمل وبازلت، فيما تولى الأمريكيون توليد الكهرباء بالمكان، وتم استيراد الإسفلت من ألمانيا، والحديد من إيطاليا وفرنسا، والخشب من السويد، ونقلت كل هذه المواد إلى الأوراش، بخط حديدي وصلوه بسكة البيضاءـ مراكش، وبلغ عدد العمال الذين اشتغلوا في المشروع أزيد من 100 ألف عامل، جلهم مغاربة كانوا يعملون بشكل متواصل، مقسمين إلى فرقتين، واحدة بالنهار وأخرى بالليل، بفضل كشاف ضوئي متنقل من نوع “الغازوجين”.

مطار بالنواصر

ومن التجهيزات المهمة التي تعززت بها القاعدة الجوية بالنواصر، هناك نظام القناة البترولية للصرف، وهو النظام الذي كان موجودا حينها فقط في الولايات المتحدة الأمريكية والبرتغال، إذ تولت هذه العملية شركة “إيسو” بداية 1952، قامت خلالها بنصب قناة للبترول، دائرتها 50 سنتمترا وطولها 40 كيلو مترا، ربطت القاعدة بميناء البيضاء، وبجانبها قناتان اثنتان أصغر منها بقطر 20 سنتمترا، بين النواصر وتيط مليل.

وبذلت الولايات المتحدة الأمريكية كل هذه المجهودات التقنية والمالية الضخمة لتشييد مطار بالنواصر، لأهداف عسكرية وإستراتيجية محضة، إلا أن عدم قدرة مطار “البيضاء كازيس” على الاستجابة لحركة النقل الجوي المتنامية، واستحالة توسعته، لقربه من المدينة، جعلت حكومة الحماية توجه نظرها صوبه، لتجعل منه ميناء الدار البيضاء الدولي.وبعد مفاوضات عسيرة، أعطت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1952، موافقتها للحكومة الفرنسية، لاستعمال المطار للنقل التجاري، وكان في هذا التاريخ يتوفر على محطة بقاعة الانتظار وحانة ومكتب الديوانة وبناية إدارية ومرصد جوي وبرج المراقبة على العمود وموقف للسيارات.
وبحكم أن هذه المرافق كانت مؤقتة، فقد خصصت إدارة الحماية في 1953، 492 مليون فرنك لإنجاز مشروع تهيئة مهم، شمل على الخصوص تهيئة ميدان النزول ومسالك الدخول وتشييد برج المراقبة، وحظيرة الطائرات، وإقامة مركز للأرصاد الجوية، وبناء 15 فيلا.

تيط مليل السياحي

شيد هذا المطار على بعد 13 كيلو مترا من البيضاء، ويعتبر من أكثر المطارات السياحية التي ارتادها السياح: تجار ورجال أعمال فرنسيون وأجانب، الذين استعملوا طائراتهم الخاصة، قبل أن تخصص له حكومة الحماية في مطلع الخمسينات 59 مليون فرنك، من أجل تعزيزه ببنيات أخرى، من قبيل تشييد برج للمراقبة ومقر عصري لنادي الطيران المغربي، وإنشاء حظيرة من 25 كيلومترا على 30 مترا، وبناء منار، ثم ترميم وإصلاح ميادين الهبوط.

المطار البحري

أدخلت السلطات الفرنسية المناطيد البحرية إلى مرسى البيضاء مبكرا، وسبق للسلطان مولاي يوسف أن حضر إحد تدريباتها، في نونبر 1916، وهي تداريب كانت ضرورية قبل القيام بأي رحلة، وفي 15 فبراير 1918 كانت الرحلة إلى الرباط، حيث احتشد جمهور غفير لرؤيتها، قبل أن تولي وجهتها نحو البيضاء في اليوم نفسه. وأصبح ميناء البيضاء يتوفر على مركز خاص بالطائرات المائية، وارتأت إدارة الحماية أن تجعله مطلع الأربعينات في صنف الموانئ الجوية، ومراكز الطيارات المائية المعدة للنقل التجاري. وحاولت حكومة “فيشي” أثناء الحرب العالمية الثانية، إقامة مطار بحري، بمواصفات عالمية بالمغرب، وكان عليها الاختيار بين ساحل البيضاء ومنطقة الغرب ونهر أم الربيع، ففضل الخبراء الفرنسيون النهر لأنه يتوفر على شريط للإقلاع، لم يقل عن خمسة كيلومترات و500 متر عرضا، ليظل أهم عامل لهذا الاختيار هو انخفاض تكلفة إنشاء الميناء في هذا الموقع .

إقرأ أيضاً :

رايان إير تستأنف رحلاتها إلى المغرب هذا الشتاء بعد توقف دام لعدة أشهر

78 % انخفاضاً فى حركة السياحة الوافدة إلى المغرب بسبب كورونا

المغرب : تراجع الناتج الداخلي الإجمالي لنشاط القطاع السياحي بنسبة 5,9 %

شاهد أيضاً

مسجد أبو الحجاج الأقصري ملتقي الدين والحضارة6

مسجد أبو الحجاج الأقصري ملتقي الدين والحضارة

كتب – أحمد زكي : يقع مسجد أبي الحجاج بمحافظة الأقصر، بجنوب مصر، وينسب اسم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *