كتب_أحمد زكي ووكالات : يعتقد سكان صعيد مصر في أن روح الطفل «التوأم» تترك الجسد، أثناء النوم ، وتتلبس أحدي القطط وتمشي «تسرح و تتجول» في القرية، أو المدينة، حيث تذهب إلى البيوت وتدخلها وتتناول الطعام بها وتلتقي بمن ترغب، بل وتعرف ما يجري فيها. وعندما يستقيظ الطفل يظل متذكراً لأحداث الليلة التي سرح فيها ويحكي للمحيطين ما رآه وما سمعه وما تناوله من طعام، بل وما تعرض له من مواقف أو أيذاء ،كما يستيقظ أيضاً بإحساس بالشبع بسبب ما تناوله من طعام اثناء تجواله بالقرية.
ويرتبط هذا المعتقد بإعتقاد شائع في كثير من المجتمعات حول الروح وأنها يمكن أن تغادر الجسد وتعود اليه في أثناء الحياة، وإن كان ابناء الصعيد يخصون في هذا الأمر التوائم الذين يقتصر عليهم خروج الروح خاصة أثناء النوم .

ومن اللافت للنظر أن الانثروبولوجيين الأجانب الذين درسوا صعيد مصر قدموا وصفاً لهذا المعتقد وذكروه كما حكى لهم عنه الاخباريون، فها هي بلاكمان التي زارت الصعيد ودونت ملاحظاتها على عادات ومعتقدات أهله ذكرت شئً من هذا بشكل عابر ولم تخص به التوائم، فتقول «هناك معتقد شائع في مصر، كما في غيرها من البلاد، وهو أن الروح تغادر الجسد أثناء النوم. لذلك يُعتقد أنه من الخطر إيقاظ إنسان ما بطريقة مباغته، خوفاً من ألا يكون لدى الروح الوقت الكافي لعودتها إلى جسم النائم. ويجب أن يتم الإيقاظ ببطء شديد، كي يتوفر للروح الوقت اللازم لعودتها. ولا أدري بالضبط ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تعد الروح في موعدها. ربما تتبدل شخصية النائم أو يصاب بالخبل
لبن الجمل علاج فعال وأحذر تقلية الطعام .
الاعتقاد في مغادرة الروح للجسد أثناء النوم وهو الذي الذي مازال متواتراً حتى يومنا هذا ولكن المعتقد السائد الأن يشترط أن يكون الطفل له توأم وغالباً ما «يسرح» أحد أفراد التوأم دون الأخر، ويرسم ملامح المعتقد بشكل دقيق فينكلر الذي عمل على دراسة صعيد مصر في ثلاثينيات القرن الماضي بقوله «عندما تلد إمراة توأماً سواء كانوا من نفس النوع أو النوعين، فإن روح احدهما – واحد فقط – يمكن أن تتحول إلى قطة، ولو أمكن يجب أن يُعطي التوأم في الأربعين يوم الأولى بعد الولادة – إلى جانب لبن الأم – بعضاً من لبن أنثى الجمال «الناقة» ليشربوه. وفي هذه الحالة يمكن أن تقل إحتمالية التحول. وإذا لم يكن لبن الإبل متاحاً فإن روح أحد التوائم سوف تتجول «تسرح» كل ليلة على هيئة قطة، ويظل الجسد راقداً مكانه غارقاً في النوم. وإذا استيقظت الأم من نومها فانها تهز رأس اطفالها، وهي بهذه الحركة توقظ التوأم الذي سرحت روحه كقطة وبهذا يموت الطفل لأن الروح في وقت استيقاظه كانت غائبة عن الجسد . تتجول الروح في هيئة قطة وتشم في بيوت الغرباء وتتناول من الطعام الذي تجده، رائحة البصل بالتوابل «التقلية» بشكل خاص تجذبهم .وهذه القطة – الشبح- ليس لها ذيل أو لها ذيل قصير جداً، ويمكن ان يحاول أحدهم ضرب هذا القط أو قتل اللص الشبح في منزله، وإذا هو فعلاً قتله فإنه لن يجد قط ميت؛ لكن الطفل – الذي كانت روحه قط – يموت. ويتبع جنس القط جنس الطفل التوأم، فهو قط ذكر للطفل وقطة أنثى للطفلة، وحين يصل التوأم إلى البلوغ فان روحه لا تسرح في هيئة قطة، ومع ذلك تظل بعضاً من مظاهر الغرابة مثل انه يظل ينجذب بشكل كبير لرائحة الطعام – خاصة «التقلية» – وهي أكثر روئح الطعام انتشاراً في قرى صعيد مصر، فإذا شم احد هؤلاء الأطفال «التقلية» فإنهم يعدونها له على الفور في البيت، وإذا لم تتوفر لديهم الإمكانية فانهم يطلبون بعضاً من هذا الطعام من المكان الذي انطلقت منه الرائحة، وإذا لم يحصل على التقلية التي اشتهاها فإنه يقع مريضاً».
الصعايدة الجنوبيين أكثر الناس تأيد للمعتقد الروحي.
ويحظي المعتقد بإنتشار واسع في مجتمعات الصعيد المحلية إلى حد أن البعض قد يلجأون إلى إستئجار سيارة تدور في القرية وتنادي «اللي حابس قطة يفتح لها» لأن طفل لم يستيقظ لفترة طويلة حيث ان روحة مازالت مع القطة التي لم تتمكن لسبب ما من العودة للمنزل ،ويحكي بعض الاخباريين من مدينة الأقصر: انه كانت هناك سيدة تسرح وهي متزوجة وزوجها يعلم، وكانت عندما تنوي ان تسرح تنام تحت السرير، حيث يُخشى على الشخص السارح ان يوقظه أحد أو يخبطه وهو بدون روح فيموت، وعاد زوجها من العمل ظهراً ليجدها نائمة تحت السرير ولم تستيقظ وظلوا يبحثون طيلة اليوم عن قطة محبوسة إلى ان وجدوا قطة كانت في منزل رجل يعمل في المطار ويعود إلى منزله ليلاً وبمجرد أن عاد وفتح باب منزله انطلق قط مسرعاً «طارت» واستيقظت السيدة، وهي حكاية متداولة في الأقصر، وتحكي الامهات عن انتظارهن عودة الروح لأبنائهن واستيقاظهم بقلق شديد حيث يظل وارد أن يكون الإبن قد ناله أذى أثناء «سرحه»، فيحكي محمد شحاته «في يوم كنت بصحبة والدتي في الحقل خلف منزلنا، وكان الحقل مزروعاً بنبات الفول الحراتي الأخضر، وفجأة غلبني النوم فتركتني أمي بصحبة سيدة مسنة نائماً على قدميها، وعندما عادت أمي بعد دقائق وجدتني جثة هامدة فأخذت في الصراخ وعندما سمعت صوتها –تقول- أنني عدت بسرعة إلى جسدي، وما أذكره انني تجولت بين زراعات الفول الحراتي وتناولت بعضاً منه
الإعتقاد فى سرحان روح التوائم والبعد الدينى
يتماس الإعتقاد في الروح مع الإعتقاد الديني لما تحتويه الأديان من حديث عن الروح وتصورات وتفسيرات حولها، ولكن نظراً لما يكتنف هذا المعتقد من غموض تظل تصورات المعتقد الشعبي مسيطرة ومتواترة ، وبإستطلاع اراء الأفراد الذين ينتمون الى الديانتين الرسميتين في المجتمع (الإسلام والمسيحية) إتضح وجود المعتقد وتبنيه من أفراد الديانتين؛ فإلى جانب الاخباريين إشتملت عينة الحالات على مسلمين ومسيحيين من مختلف قرى الدراسة، ففي قرية جراجوس في محافظة قنا تم إجراء مقابلات مع حالتين من التوائم المسيحيين أحدهما توأم ذكور والأخر إناث، وفي الحالتين كان أحد أفراد التوأم فقط هو الذي يسرح ويخبر الأخر بمغامراته،
وفي قرى صعيد مصر حيث يكثر تجاور الاسر التي تنتمي للديانتين ويتشاركا في المعتقد الشعبي بنفس القدر وجدنا اطفال من المسلمين يقرا بانهم يسرحوا مع اطفال مسيحيين قطط،
رأي رجال الدين في المجتمع حول المعتقد وموقفهم منه .
الملاحظ بداية انهم لا يبذلون جهد في مقاومته أو التعرض له مع أفراد المجتمع، لكن مثلاً شيخ الكُتاب الذي يقوم بتحفيظ الأطفال القرآن في البر الغربي بالأقصر يقر بوجود الظاهرة ولكنه يستبعد أن يكون أحد الأطفال الذين يأتون إلى الكُتاب « يسرح»؛ لإن الطفل الذي يسرح «يسرق» ومن يأتون إلى الكًتاب يعرفون دينهم ولا يسرقون، كان هذا هو موقف شيخ الكًتاب الصريح الذي لا يتخذ موقف من المعتقد وإنما من فعل السرقة، ويؤكد هذا حالة طفلين توائم لا يحضرون دروس الشيخ لأن الشيخ يضربهم ضرب مبرح، وغالباً كان يعاقبهم على السرح الذي يعتبره حراماً لأن الطفل يسرق، وبسؤاله عما إذا كان الخروج يمكن أن يكون بغرض اللهو فقط أقر بأن «الغرض الأساسي من الخروج هو سرقة الطعام وان اللهو والتمشية في البلد مافيهاش حاجة»، وفي هذا إقرار واضح من الشيخ وتبني صريح للمعتقد، ونظراً للشعبية والاحترام الكبيرين اللاتي يحظى بهما الشيخ الطيب الذي يقُبل على ساحته في الأقصرالكثيرون للتبرك وأخذ الرأي كان لابد من إستطلاع رأيه في المعتقد؛ الذي لم ينكر وجوده بل وتفشيه في المجتمع وإن كان يرجعه إلى « جهل الناس بدينهم»، وبمواجهة والد أحد حالات الدراسة برأي الشيخ الطيب الذي يجله ويحترم رأيه أرجع هذا الرأي إلى ان «الشيخ بيتكلم على اللي جه في القرآن لكن مش كل حاجة جت في القرآن، وهو عارف ان دي حقيقة». ويظل مبرر أفراد مجتمع البحث لإعتقادهم في سرحان الروح ان «ربنا ماداش سر الروح لحد».
وظل هذا المعتقد مجهولاً لدى رجال الدين الذين تم إستطلاع ارائهم من خارج مجتمعات الوجه القبلي وكان وصفهم له بانه خزعبلات
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر