كتب – أحمد زكي : في سابقة هي الأولى من نوعها في محافظتي سوهاج وأسيوط، تم إطلاق خدمة “تاكسي البنات” لتكون وسيلة مواصلات مخصصة للسيدات فقط، وتُقَاد من قبل سائقات مدربات، بهدف توفير بيئة تنقل آمنة ومحترمة للمرأة في قلب الصعيد المصري. هذه المبادرة، التي تجمع بين الطابع المجتمعي والدور الاقتصادي، جاءت استجابة لحاجة ملحة لدى النساء في هذه المحافظات اللاتي طالما واجهن تحديات تتعلق بالأمان والخصوصية أثناء استخدام المواصلات العامة أو سيارات الأجرة التقليدية.
اللافت أن هذه الخطوة لم تقتصر على الجانب الخدمي فقط، بل أثارت أيضًا اهتمام المهتمين بالسياحة الثقافية والاجتماعية، كونها تفتح بابًا جديدًا أمام السائحات المصريات والعربيات والأجنبيات الراغبات في استكشاف تراث الصعيد العريق دون قلق من صعوبات التنقل. وبينما تُعرف أسيوط وسوهاج بآثارها الفرعونية وقراها التراثية وأسواقها الشعبية، فإن توفير وسيلة مواصلات آمنة خاصة بالسيدات يمثل ركيزة جديدة في تطوير البنية السياحية، وتعزيز مفهوم “السياحة الآمنة” في مدن جنوب مصر.
خلفية الفكرة وأسباب انطلاقها
تعود فكرة “تاكسي البنات” إلى مبادرات مجتمعية محلية شاركت فيها منظمات نسائية ومؤسسات تعليمية وجامعية، بالتعاون مع شركات نقل خاصة تهدف إلى تمكين المرأة وتوفير خيارات نقل آمنة ومستقلة لها. وجاءت الدراسة الميدانية الأولية التي أُجريت في أسيوط وسوهاج لتكشف عن معاناة النساء – خاصة الطالبات والعاملات – في التنقل بحرية وراحة ضمن بيئة تحترم خصوصيتهن.
كما ساهمت الحوادث المتكررة المرتبطة بالتحرش وسوء المعاملة في المواصلات التقليدية في خلق بيئة من القلق والانزعاج، مما دفع المجتمع إلى البحث عن حلول عملية تحافظ على كرامة المرأة وتلبي احتياجاتها في التنقل اليومي، سواء لأغراض التعليم أو العمل أو حتى السياحة الداخلية.
آراء المواطنات والسائحات.
تقول نهى عبد العزيز، طالبة جامعية في جامعة أسيوط: “خدمة تاكسي البنات ساعدتنا نروح الجامعة ونرجع منها بأمان، خصوصًا في أيام الامتحانات اللي بنضطر نتحرك فيها من بدري جدًا أو نرجع متأخر. السائقات محترمات، والخدمة منظمة”.
أما ريهام عبد الستار، وهي سيدة أعمال من سوهاج، فأشارت إلى أن الخدمة تعكس تطورًا نوعيًا في تفكير المجتمع: “مش بس وسيلة مواصلات آمنة، لكن كمان فرصة لتشغيل سيدات وتقديم صورة حضارية عن محافظات الصعيد”.
في المقابل، عبرت سائحة فرنسية تدعى كلير بوشيه عن ارتياحها لهذه الخدمة خلال زيارتها لسوهاج، وقالت: “كنت مترددة في زيارة مدن الصعيد بسبب صعوبة التنقل كأنثى أجنبية، لكن وجود خدمة مثل تاكسي البنات جعل تجربتي آمنة وممتعة، خاصة عندما زرت معابد أبيدوس والأسواق الشعبية”.
رؤية خبراء السياحة والتنمية
يرى الدكتور محمد عبد اللطيف، أستاذ السياحة بجامعة سوهاج، أن “تاكسي البنات” ليس مجرد وسيلة نقل بل هو عنصر من عناصر تطوير السياحة المحلية: “الخدمة تفتح المجال أمام مزيد من السياحة الفردية والنسائية، خاصة في ظل رغبة كثير من السائحات في زيارة الصعيد والتعرف على ثقافته الفريدة، دون الخوف من التعرض لأي مواقف غير مريحة”.
ويضيف أن هذا النوع من المبادرات يدعم توجه الدولة نحو تنمية الوجه القبلي من خلال حلول محلية تعزز الأمن المجتمعي وتفتح آفاقًا اقتصادية للنساء.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروع.
ساهم المشروع في توفير فرص عمل جديدة للنساء، سواء في القيادة أو التنسيق أو التسويق للخدمة، ما يعزز من تمكين المرأة اقتصاديًا في بيئة كانت فيها مشاركة النساء في سوق العمل محدودة. كما لاقت الخدمة ترحيبًا من العائلات، خاصة في المناطق الريفية، حيث يُعد احترام التقاليد وخصوصية النساء أمرًا جوهريًا.
من جانب آخر، فإن هذه المبادرة تشكل تجربة محلية قابلة للتوسع في محافظات أخرى، وتؤسس لنموذج تشاركي بين القطاع الخاص والمجتمع المدني والحكومة، بما ينعكس إيجابًا على البنية الخدمية والسياحية للصعيد.
تمثل خدمة “تاكسي البنات” في أسيوط وسوهاج نقلة نوعية في مفهوم النقل المجتمعي الآمن، وتُعد خطوة شجاعة نحو جعل السياحة أكثر شمولًا وعدالة وخصوصية، خاصة للنساء. وفي ظل الطموحات لتطوير السياحة في الصعيد، فإن مثل هذه المبادرات تمثل إشارات قوية على أن التغيير الإيجابي ممكن حين تتكامل جهود المجتمع والدولة والقطاع الخاص.



إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر