كتبت – دعاء سمير : على بعد كيلومترات قليلة من قلب القاهرة، تقف منطقة “منف” الأثرية، المعروفة حالياً باسم ميت رهينة بمحافظة الجيزة، شاهدة على واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ. فمن هنا بدأت قصة الدولة المصرية القديمة، ومن هذه الأرض انطلقت قرارات الحكم، وتحركت الجيوش التي صنعت إمبراطورية امتدت حدودها إلى آسيا وإفريقيا، لتصبح أول عاصمة موحدة لمصر القديمة ورمزاً للقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لقرابة خمسة قرون. ورغم هذه المكانة التاريخية الفريدة، ما تزال “منف” بعيدة عن خريطة السياحة العالمية، رغم امتلاكها جميع المقومات التي تؤهلها لتصبح واحدة من أهم المقاصد السياحية والأثرية في مصر، جنباً إلى جنب مع أهرامات الجيزة والأقصر وأسوان.
وتكتسب منطقة ميت رهينة أهمية استثنائية، إذ كانت مدينة “منف” العاصمة الأولى لمصر الموحدة بعد نجاح الملك نارمر في توحيد القطرين، لتصبح مركز الحكم والإدارة والدبلوماسية ومقراً للملوك خلال عصور الدولة القديمة، قبل أن تستمر في أداء دورها السياسي والديني خلال عصور لاحقة، وهو ما جعلها واحدة من أطول العواصم بقاءً في تاريخ الحضارة المصرية.
ولم تكن “منف” مجرد مقر للحكم، بل كانت القلب النابض للدولة المصرية القديمة، حيث خرجت منها الجيوش التي رسخت نفوذ مصر في المنطقة، ومنها انطلقت الحملات العسكرية والتجارية التي ساهمت في بناء واحدة من أقوى الحضارات الإنسانية. كما كانت المدينة مركزاً للصناعة والحرف والفنون، واحتضنت كبار الكهنة والكتبة والمهندسين الذين ساهموا في بناء الأهرامات والمعابد التي ما تزال تبهر العالم حتى اليوم.
وتضم المنطقة الأثرية بميت رهينة مجموعة من الكنوز التاريخية الفريدة، أبرزها التمثال الضخم للملك رمسيس الثاني، الذي يعد أحد أروع التماثيل الملكية المكتشفة في مصر، إلى جانب تمثال أبو الهول المصنوع من الألباستر، وبقايا معابد وقصور ومبانٍ إدارية تعكس عظمة العاصمة القديمة، فضلاً عن آلاف القطع الأثرية التي تؤكد أن المدينة كانت مركزاً للحياة السياسية والدينية والاقتصادية.
ورغم هذه الثروة الحضارية، لا تحظى “منف” بالاهتمام السياحي الذي تستحقه، إذ تقتصر زياراتها على أعداد محدودة من السائحين والباحثين، بينما تتجه الغالبية العظمى من الوفود السياحية مباشرة إلى أهرامات الجيزة أو المتحف المصري الكبير أو الأقصر، وهو ما يحرم المنطقة من الاستفادة الاقتصادية التي تتناسب مع قيمتها التاريخية.
ويرى خبراء السياحة أن إدراج “منف” ضمن البرامج السياحية الرئيسية يمكن أن يحدث تحولاً كبيراً في حركة السياحة الثقافية، خاصة أنها تقع بالقرب من القاهرة الكبرى ومنطقة الأهرامات، ما يجعل زيارتها سهلة ضمن رحلات اليوم الواحد، دون الحاجة إلى تكاليف إضافية أو تنقلات طويلة.
ويؤكد متخصصون في الآثار أن المنطقة تحتاج إلى خطة تطوير متكاملة تشمل تحسين البنية التحتية، وتحديث مركز الزوار، وتوفير خدمات سياحية حديثة، وإنشاء لوحات إرشادية متعددة اللغات، إلى جانب تطوير الطرق المؤدية إليها وربطها بمسارات الزيارة الخاصة بالمتحف المصري الكبير ومنطقة سقارة وأهرامات الجيزة، بما يخلق مساراً سياحياً متكاملاً يعرض تطور الحضارة المصرية منذ نشأتها وحتى ذروة ازدهارها.
كما يمثل التسويق الدولي أحد أبرز التحديات أمام المنطقة، إذ تمتلك “منف” قصة حضارية قادرة على جذب ملايين المهتمين بالتاريخ والآثار حول العالم، لكنها تحتاج إلى حملات ترويجية حديثة تعتمد على الوسائط الرقمية والأفلام الوثائقية والفعاليات الثقافية الدولية، بما يبرز مكانتها باعتبارها أول عاصمة في التاريخ المصري القديم.
ويؤكد خبراء الاقتصاد السياحي أن إحياء منطقة “منف” لن يقتصر أثره على زيادة أعداد الزائرين، بل سيمتد إلى خلق فرص عمل جديدة، وتنشيط الاستثمارات في الخدمات السياحية، وتشجيع إقامة الفنادق والمطاعم والأسواق التراثية، بما يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية للمجتمعات المحيطة، ويعزز من مساهمة السياحة الثقافية في الناتج القومي.
وتتوافق هذه الرؤية مع استراتيجية الدولة المصرية الرامية إلى تنويع المنتج السياحي، وعدم الاعتماد على المقاصد التقليدية فقط، من خلال فتح مواقع أثرية جديدة أمام الزوار، واستثمار ما تمتلكه مصر من كنوز حضارية لا تزال بحاجة إلى المزيد من التعريف والتطوير.
إن “منف” ليست مجرد أطلال أثرية، بل سجل مفتوح لبداية الحضارة المصرية، ومدينة صنعت تاريخ أمة كاملة. وإذا حظيت بالتطوير والتسويق اللذين تستحقهما، فإنها قادرة على أن تتحول إلى وجهة سياحية عالمية تنافس أشهر المواقع الأثرية في مصر، وتستعيد مكانتها كأول عاصمة للدولة المصرية القديمة، وبوابة تحكي للعالم قصة ميلاد واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ الإنساني.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر