كتب – أحمد زكي : في زمنٍ سابق على دخول الكهرباء وانتشار البيوت المشيّدة بالطوب الأحمر، كان الإنسان الصعيدي يبحث عن طرق مبتكرة تضمن له الأمان في مواجهة الطبيعة القاسية. ومن بين هذه الابتكارات برزت “النوّامة”، وهي سرير طيني مرتفع عن سطح الأرض، اتخذ هيئة “عش الغراب”، لتصبح وسيلة عبقرية تحمي النائم من العقارب والثعابين، وتوفّر له في الوقت نفسه فرصة للنوم في الهواء الطلق.
خلفية تاريخية
تعود أصول “النوّامة” إلى القرى الريفية في صعيد مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث لم تكن شبكات الكهرباء قد وصلت بعد، ولم يكن البناء بالطوب الأحمر أو الإسمنت متاحًا لشرائح واسعة من الأهالي. اعتمد الناس على الطين كمادة أساسية للبناء، وامتد الإبداع ليشمل الأثاث والمعمار اليومي. فجاءت “النوّامة” كحل بسيط وفعال لمشكلة متكررة: لدغات العقارب التي كانت تكثر في البيئات الجافة والزراعية.
الوصف المعماري
تقوم “النوّامة” على قاعدة طينية سميكة تُشكَّل على هيئة أسطوانة عريضة ترتفع عن الأرض قرابة المتر، بحيث تصبح ملساء يصعب على الحشرات الزاحفة تسلّقها. يعلوها سطح مستوٍ من الطين المجفف، يُفرش بالحصر أو البطاطين، ليكون بمثابة سرير طبيعي في العراء. هذا التصميم المستوحى من الطبيعة يشبه في تكوينه عش الغراب، حيث يتسع الجزء العلوي ليستوعب فردًا أو أكثر، بينما تبقى القاعدة مستقلة ومعزولة عن أي تهديد أرضي.
القيمة التراثية
لم تكن “النوّامة” مجرّد ابتكار وظيفي، بل أصبحت رمزًا لذكاء الإنسان الصعيدي وقدرته على التكيّف مع بيئته بأدوات محدودة. كما تمثل اليوم جزءًا من التراث غير المادي الذي يكشف عن أنماط المعيشة في الريف المصري القديم، وتوثّق علاقة الإنسان بالطين بوصفه مادة بناء وحياة.
الأهمية السياحية والثقافية
رغم اختفاء “النوّامة” تدريجيًا مع دخول الكهرباء وتطور العمران، إلا أنها ما تزال مادة ثرية للباحثين في العمارة الشعبية، كما يمكن أن تشكل عنصرًا سياحيًا في المتاحف المفتوحة للتراث، أو في المهرجانات الثقافية التي تستعرض أنماط المعيشة القديمة. إن إعادة إحياء هذا النموذج كجزء من العروض السياحية سيسهم في تعزيز هوية الصعيد وتسليط الضوء على خصوصيته الثقافية، بما يجذب المهتمين بالتاريخ والأنثروبولوجيا والسياحة التراثية.
اللقطة النادرة للـ”نوّامة” من أربعينيات صعيد مصر ليست مجرد صورة من الماضي، بل وثيقة حية تكشف عن روح ابتكارية قاومت الطبيعة بأبسط الوسائل. وهي تذكير بأن التراث الشعبي ليس فقط ما نحتفظ به في المتاحف، بل أيضًا ما نحمله من قصص وأفكار عن كيفية العيش والبقاء في بيئة صعبة، حيث يحوّل الإنسان الطين إلى مأوى، والضرورة إلى اختراع.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر