كتبت – سها ممدوح : في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات البيئية التي تواجه المقاصد السياحية الساحلية حول العالم، تقدم جزيرة “طبرقة” الإسبانية نموذجاً استثنائياً يؤكد أن حماية الموارد الطبيعية يمكن أن تتحول إلى محرك رئيسي للسياحة والاستثمار المستدام، بعدما نجحت سياسات حظر الصيد التي استمرت أربعة عقود في تحويل الجزيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات البيئية في البحر المتوسط.
وتبرز تجربة الجزيرة كدليل عملي على أن الاستثمار في الحفاظ على البيئة البحرية لا يقتصر على حماية الكائنات الطبيعية، بل يمتد ليخلق فرصاً اقتصادية جديدة، ويعزز جاذبية المقاصد السياحية، ويرفع من قيمة الاستثمارات المرتبطة بالسياحة البيئية والأنشطة البحرية المستدامة.
وتقع جزيرة “طبرقة” على بعد نحو 15 كيلومتراً من سواحل مدينة أليكانتي الإسبانية، وتعد أصغر جزيرة مأهولة بالسكان في إسبانيا، إذ لا يتجاوز طولها 1.8 كيلومتر وعرضها نحو 400 متر، إلا أنها تستقبل سنوياً آلاف الزوار الراغبين في الاستمتاع بشواطئها الطبيعية ومياهها الصافية وتراثها التاريخي الذي يعود إلى القرن الثامن عشر.
وشهدت الجزيرة نقطة تحول تاريخية عام 1986 عندما أعلنتها السلطات الإسبانية أول محمية بحرية تشغيلية في البلاد، وفرضت حظراً صارماً على الصيد داخل نطاقها البحري بهدف حماية التنوع البيولوجي واستعادة المخزون السمكي والحفاظ على غابات أعشاب “البوسيدونيا” البحرية، التي تعد من أهم النظم البيئية في البحر المتوسط.
وأثبتت التجربة نجاحها بوضوح، إذ أظهرت التقارير البيئية أن الكتلة الحيوية للأسماك داخل حدود المحمية ارتفعت بأكثر من 300% مقارنة بالمناطق المفتوحة للصيد، ما أدى إلى استعادة التوازن البيئي وتحسين جودة الحياة البحرية بصورة لافتة.
ولم تقتصر مكاسب المشروع على الجانب البيئي فقط، بل انعكست بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي، حيث استفاد الصيادون العاملون خارج حدود المحمية من زيادة أعداد الأسماك التي تنتقل بصورة طبيعية إلى المناطق المجاورة، فيما يعرف بظاهرة “فيضان الأسماك”، وهو ما وفر نموذجاً يجمع بين حماية البيئة وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
وفي الوقت ذاته، تحولت الجزيرة إلى مقصد رئيسي لعشاق الغوص والرحلات البحرية والسياحة البيئية، مستفيدة من نقاء المياه ووفرة الحياة البحرية، وهو ما عزز الطلب على خدمات الإقامة والمطاعم والأنشطة السياحية، وساهم في تنشيط الاستثمارات المرتبطة بقطاع الضيافة.
ويرى خبراء السياحة أن التجربة الإسبانية تؤكد أن حماية البيئة أصبحت أحد أهم عناصر التنافسية بين المقاصد السياحية العالمية، خاصة مع تزايد اهتمام السائحين بالسفر المسؤول والوجهات التي تحافظ على مواردها الطبيعية وتقدم تجارب سياحية مستدامة.
كما تفتح هذه التجربة آفاقاً مهمة أمام العديد من الدول المطلة على البحر المتوسط، ومن بينها مصر، للاستفادة من المحميات البحرية والمناطق الساحلية ذات القيمة البيئية العالية، عبر تطوير منتجات سياحية قائمة على الحفاظ على الطبيعة، بما يعزز الاستثمارات الخضراء ويرفع القدرة التنافسية للمقاصد السياحية.
وتؤكد تجربة “طبرقة” أن القرارات البيئية طويلة الأجل، رغم ما قد تبدو عليه من قيود في بدايتها، يمكن أن تتحول إلى استثمارات ناجحة تحقق التوازن بين حماية الموارد الطبيعية، وتنمية الاقتصاد المحلي، وزيادة التدفقات السياحية، لتصبح الجزيرة مثالاً عالمياً على نجاح السياحة المستدامة في صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً للوجهات الساحلية.
إقرأ أيضاً :
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر