كتبت – مروة الشريف : سلّط الحريق الضخم الذي اندلع في مكب للنفايات بجزيرة باروس اليونانية الضوء على التحديات البيئية التي باتت تواجه المقاصد السياحية الشهيرة، بعدما كشف عن الضغوط المتزايدة التي يفرضها النمو السريع في أعداد الزائرين على البنية التحتية والخدمات الأساسية، في مشهد يعيد فتح النقاش حول مفهوم “السياحة المستدامة” في أوروبا.
وأثار الحريق، الذي امتد على مساحة تقارب ألف هكتار وانتهى باعتقال رئيس بلدية باروس وعدد من المسؤولين المحليين على خلفية التحقيقات، تساؤلات واسعة بشأن قدرة الجزر اليونانية على استيعاب التدفقات السياحية القياسية، دون الإضرار بالبيئة أو جودة الخدمات.
وتعد باروس واحدة من أكثر الجزر اليونانية جذبًا للسياح، إذ يبلغ عدد سكانها الدائمين نحو 15 ألف نسمة، بينما تستقبل ما يقرب من مليون زائر سنويًا عبر الميناء والمطار، وهو ما أدى إلى تضاعف الضغوط على منظومة إدارة النفايات والمياه والخدمات العامة.
وتزامن الحريق مع موجة حرائق واسعة اجتاحت عدة مناطق يونانية، شملت جزيرتي كريت وليسبوس وأجزاء من شبه جزيرة بيلوبونيز، وأسفرت عن تدمير آلاف الهكتارات من الغابات والغطاء النباتي، وإجلاء آلاف السكان والسائحين، في وقت حذر فيه خبراء البيئة من أن تعافي هذه النظم البيئية قد يستغرق عقودًا.
وأوضحت تقارير أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الحريق بدأ داخل منطقة تخزين غير مرخصة للنفايات القابلة لإعادة التدوير ومخلفات الحدائق والنفايات المنزلية، بعدما تراكمت كميات كبيرة منها نتيجة تعطل أحد مراكز فرز النفايات، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها الجزيرة في إدارة المخلفات خلال مواسم الذروة السياحية.
ويرى خبراء السياحة أن الأزمة تكشف جانبًا آخر من ظاهرة “السياحة المفرطة”، التي أصبحت تشكل تحديًا متزايدًا في عدد من الوجهات الأوروبية الشهيرة، حيث يؤدي الارتفاع الكبير في أعداد الزائرين إلى استنزاف الموارد الطبيعية، وزيادة إنتاج النفايات، والضغط على شبكات المياه والكهرباء والنقل.
كما أشار مختصون إلى أن الطفرة في تأجير الوحدات السياحية قصيرة الأجل، إلى جانب التوسع العمراني السريع، أسهما في زيادة مخلفات البناء والأجهزة المنزلية والنفايات الصلبة، وهو ما تجاوز قدرات منظومات الإدارة المحلية في بعض الجزر.
وفي محاولة لمعالجة الأزمة، أعلنت وزارة البيئة اليونانية تنفيذ مشروع جديد لإنشاء منشأة حديثة لاستعادة وإعادة تدوير النفايات في باروس، بالشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب مشروعات مماثلة في جزر ميكونوس وسيروس، على أن تبدأ هذه المنشآت العمل بحلول عام 2030.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس توجهًا متزايدًا نحو إعادة صياغة نموذج التنمية السياحية في اليونان، بحيث يوازن بين تعظيم العوائد الاقتصادية من السياحة، والحفاظ على الموارد البيئية التي تمثل أساس الجذب السياحي للجزر.
وتؤكد التجربة اليونانية أن نجاح أي مقصد سياحي لم يعد يقاس فقط بأعداد الزائرين أو الإيرادات، بل بقدرته على إدارة النمو بصورة مستدامة، بما يحافظ على البيئة والبنية التحتية وجودة الحياة للسكان المحليين، ويضمن استمرار جاذبية الوجهة للأجيال المقبلة.
وتحمل أزمة باروس رسالة مهمة للوجهات السياحية حول العالم، مفادها أن الاستثمار في البنية التحتية البيئية وإدارة النفايات لم يعد خيارًا، بل أصبح أحد أهم عناصر الحفاظ على تنافسية المقاصد السياحية واستدامة صناعة السفر العالمية.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر