كتبت – سها ممدوح – وكالات : تواجه نيبال واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي ضربت مناطقها الجبلية خلال الفترة الأخيرة، بعدما اجتاحت فيضانات كارثية محملة بالوحل والصخور مناطق حدودية مع التبت الصينية، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى وتدمير طرق وجسور ومنشآت حيوية، بالتزامن مع انقطاع الاتصال بـ384 سائحًا ومسافرًا، غالبيتهم من الأجانب، في تطور يفرض تحديات كبيرة على قطاع السياحة والسفر وعمليات الإنقاذ في واحدة من أهم المناطق الجبلية بالمنطقة.
وأعلن مجلس السياحة في نيبال أن سجلات واردة من شركات السياحة والسفر أفادت بفقدان الاتصال بـ384 مسافرًا في المناطق المتضررة، بينهم 291 أجنبيًا و93 مواطنًا نيباليًا، فيما تواصل السلطات عمليات التحقق من أماكن وجودهم ومحاولة الوصول إلى المناطق التي انقطعت عنها الطرق والاتصالات.
وتتركز تداعيات الكارثة في منطقة راسوا الجبلية، وهي منطقة ذات أهمية بالنسبة لحركة السياحة الجبلية والرحلات المتجهة إلى المناطق الواقعة قرب الحدود مع الصين، كما تمر بها مسارات يستخدمها السياح والمسافرون والحجاج في رحلاتهم إلى وجهات جبلية شهيرة.
وتزداد خطورة الوضع بالنسبة إلى السياح الأجانب بسبب صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، بعدما دمرت السيول طرقًا وجسورًا، وتسببت في انقطاع شبكات الاتصالات والكهرباء، بينما واجهت طائرات الهليكوبتر المخصصة للإنقاذ صعوبات في الهبوط ببعض المناطق بسبب ارتفاع منسوب المياه وتدفقها بقوة خارج مجرى النهر الطبيعي.
وتشير البيانات الأولية إلى أن الكارثة أسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 157 قتيلًا، بينما أعلنت الشرطة انتشال 95 جثة حتى الآن، مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ وسط توقعات بارتفاع حصيلة الضحايا، خاصة مع وجود مئات الأشخاص الذين لا تزال أماكن وجودهم غير معروفة.
كما ذكرت وسائل إعلام محلية أن عشرات المصابين يتلقون العلاج في مستشفيات المنطقة والعاصمة كاتمندو، في الوقت الذي تعمل فيه فرق الإنقاذ على الوصول إلى القرى والمناطق التي عزلتها المياه والانهيارات الأرضية.
وتضم قوائم المفقودين جنسيات متعددة، بينها أكثر من مئة هندي، إلى جانب مواطنين من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، فيما أعلنت كوريا الجنوبية بشكل منفصل فقدان الاتصال بثمانية من مواطنيها العاملين في محطة للطاقة الكهرومائية.
ولا تقتصر تداعيات الكارثة على فقدان المسافرين، إذ تعرضت البنية الأساسية اللازمة لحركة السياحة والنقل لأضرار واسعة، بعدما جرفت المياه منازل وطرقًا وجسورًا ومشروعات كهرباء، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل حركة السفر في المنطقة لفترة، ويصعب عمليات إجلاء السياح وإعادة فتح مسارات الحركة.
وتكمن خطورة الوضع في أن المناطق الجبلية في نيبال تعتمد بدرجة كبيرة على الطرق والمسارات المحدودة التي تربط القرى والمواقع السياحية، وبالتالي فإن تضرر طريق رئيسي أو جسر يمكن أن يعزل مناطق كاملة ويعطل وصول السياح وفرق الإنقاذ والإمدادات في الوقت نفسه.
وجاءت الفيضانات بعد انهيار ضخم لكتلة من الصخور والثلوج والوحل في أحد الأنهار الجبلية، ما أدى إلى تدفق هائل للمياه والحطام باتجاه المناطق الواقعة أسفل مجرى النهر. وأظهرت صور الأقمار الصناعية مساحة واسعة من الدمار على جانبي المجرى المعتاد لنهر ليندي.
ولا تزال أسباب الانهيار قيد التحقيق، إلا أن بيانات جيولوجية أولية أشارت إلى وقوع زلزال بقوة 4.4 درجة قبل دقائق من توقيت تسجيل لقطات كاميرات المراقبة، بينما أظهرت دراسة أولية لصور الأقمار الصناعية أن انهيارًا للثلوج والصخور تسبب في فيضان محمل بالحطام.
وتحذر السلطات وخبراء المخاطر من احتمال وقوع فيضان آخر، بسبب استمرار وجود عائق في مجرى النهر بمنطقة المنبع، ما يرفع المخاطر على القرى والمناطق الواقعة على ضفتي الأنهار المتصلة بالمجرى المتضرر.
وتفرض هذه المخاطر تحديات استثنائية على قطاع السياحة النيبالي، الذي يعتمد بصورة كبيرة على الطبيعة والجبال ومسارات المغامرات والرحلات، إذ تمثل المناطق الجبلية عامل جذب رئيسيًا للسياح من مختلف أنحاء العالم، لكنها في الوقت نفسه أكثر عرضة للانهيارات الأرضية والسيول المفاجئة والظروف الجوية القاسية.
وتعيد الكارثة فتح ملف سلامة السياح في المناطق الجبلية، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على سياحة المغامرات والرحلات الطبيعية، حيث يتطلب هذا النوع من السياحة أنظمة إنذار مبكر أكثر تطورًا، وقواعد بيانات دقيقة عن المخاطر، وخطط إجلاء واضحة، وقدرة على التواصل السريع مع السياح وشركات السفر.
كما تبرز أهمية قيام شركات السياحة العاملة في المناطق الجبلية بتحديث خطط الطوارئ بصورة مستمرة، والتأكد من وجود وسائل اتصال بديلة في المناطق التي قد تنقطع عنها شبكات الاتصالات، إلى جانب الالتزام بتحذيرات السلطات وعدم تنظيم الرحلات إلى المناطق التي تشهد مؤشرات على عدم الاستقرار.
ولا تقتصر آثار الكارثة على نيبال وحدها، إذ امتدت تداعياتها إلى الجانب الصيني من الحدود، حيث أفادت وسائل إعلام رسمية بوقوع أضرار وخسائر بشرية كبيرة نتيجة السيول والانهيارات الطينية، وانقطاع الطرق والاتصالات وإمدادات الكهرباء في مناطق قريبة من الحدود.
وأرسلت السلطات الصينية مئات من أفراد فرق الإنقاذ والمركبات والمعدات، كما استخدمت طائرات مسيرة وكلابًا بوليسية للمساعدة في عمليات البحث، في وقت دعت فيه القيادة الصينية إلى تكثيف عمليات البحث عن المفقودين وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر لمنع وقوع كوارث جديدة.
وتتزامن الكارثة مع موسم الأمطار الموسمية في جنوب آسيا، الذي يمتد عادة من يونيو إلى سبتمبر، وهي فترة تشهد فيها المناطق الجبلية مخاطر متزايدة من السيول والانهيارات الأرضية. ويرى علماء أن تغير المناخ يساهم في زيادة تواتر وشدة بعض الظواهر الجوية القاسية، ما يجعل الاستعداد المسبق وإدارة المخاطر جزءًا أساسيًا من استدامة السياحة في المناطق الطبيعية.
وبالنسبة إلى السياحة والسفر، فإن حادث نيبال يوضح أن تطوير الوجهات الجبلية لا يمكن أن يقتصر على إنشاء الفنادق والمسارات والمرافق السياحية، وإنما يجب أن يصاحبه استثمار موازٍ في البنية التحتية المقاومة للكوارث، وأنظمة الإنذار والاتصالات ووسائل الإجلاء، بما يضمن حماية الزائرين والسكان المحليين في الظروف الاستثنائية.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات البحث عن المفقودين، تواجه نيبال تحديًا مزدوجًا يتمثل في إنقاذ السياح والمسافرين أولًا، ثم إعادة تأهيل الطرق والبنية الأساسية واستعادة الثقة في سلامة الرحلات إلى المناطق الجبلية.
وتؤكد الكارثة أن قوة الوجهات الطبيعية تكمن في جمالها، لكن استدامة السياحة فيها ترتبط بقدرتها على إدارة المخاطر وحماية الزائرين، خصوصًا في ظل تزايد الإقبال العالمي على سياحة المغامرات والطبيعة. ومن ثم، فإن تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وخطط الإخلاء والبنية الأساسية الآمنة لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لاستمرار النشاط السياحي في المناطق الجبلية الأكثر تعرضًا للكوارث الطبيعية.
Tourism Daily News أهم أخبار السياحة و السفر