الرئيسية / لايف استايل / رحلات الإخلاء إلى نفسك .. عندما تصبح العودة إلى الداخل طوق نجاة
رحلات الإخلاء إلى نفسك .. عندما تصبح العودة إلى الداخل طوق نجاة
رحلات الإخلاء إلى نفسك .. عندما تصبح العودة إلى الداخل طوق نجاة

رحلات الإخلاء إلى نفسك .. عندما تصبح العودة إلى الداخل طوق نجاة

كتبت – سها ممدوح – وكالات : في زحام الحياة، نعرف جيدًا كيف نهرب من المكان، لكننا ننسى أحيانًا أن أصعب رحلة قد تكون رحلة العودة إلى أنفسنا. نركض خلف العمل، والالتزامات، وإرضاء الآخرين، ونبحث عن النجاح في الخارج، بينما تتراجع علاقتنا بأنفسنا خطوة بعد أخرى، حتى نستيقظ ذات يوم ونكتشف أننا أصبحنا غرباء عن الشخص الذي نعيش معه طوال الوقت.

هذه هي «رحلات الإخلاء إلى نفسك»؛ رحلة لا تحتاج إلى تذكرة سفر ولا حقيبة، وإنما تحتاج إلى شجاعة التوقف قليلًا، والاستماع إلى ما يحدث في الداخل، وإعادة النظر في الطريقة التي نتحدث بها مع أنفسنا ونقيّم بها قدراتنا وقيمتنا.

وتشير إرشادات صحية متخصصة إلى أن انخفاض تقدير الذات بصورة مستمرة قد يجعل الإنسان أكثر ميلًا إلى رؤية نفسه وحياته بصورة سلبية ونقدية، وقد يدفعه إلى تجنب المواقف الصعبة أو التحديات الجديدة، وهو ما يمكن أن يعزز الشكوك والمخاوف بدلًا من كسرها.

وقد تبدأ المشكلة من جملة صغيرة تتكرر يوميًا: «أنا لا أستطيع»، «لم أعد كما كنت»، «الآخرون أفضل مني»، أو «لا أحد يهتم بما أفعله». ومع تكرار هذه الأفكار، تتحول من مجرد لحظات إحباط إلى عدسة ننظر من خلالها إلى حياتنا كلها.

أولى محطات الرحلة إذن هي إخلاء مساحة داخلية من جلد الذات. الخطأ لا يعني أن الإنسان فاشل، والتجربة غير الناجحة لا تلغي قيمة صاحبها. وتوصي إرشادات NHS بالتعامل مع النفس بالطريقة التي يمكن أن نتعامل بها مع صديق عزيز يمر بوقت صعب، بدلًا من الاستمرار في الحديث الداخلي القاسي.

ثم تأتي محطة أخرى: استعادة حقك في المحاولة. انخفاض تقدير الذات قد يجعل الإنسان يتجنب تجربة أشياء جديدة خوفًا من الفشل أو الحكم عليه. لكن الانسحاب المستمر يمنح الخوف مزيدًا من القوة، بينما يمكن للأهداف الصغيرة والتحديات القابلة للتحقيق أن تساعد تدريجيًا في استعادة الثقة بالنفس.

ومن أهم محطات الرحلة أيضًا أن تتعلم الفصل بين المشاعر والحقائق. الشعور بأنك غير كافٍ لا يعني أنك كذلك، والشعور بالفشل لا يعني أن حياتك فاشلة. فاللحظة الصعبة تظل لحظة، وليست بالضرورة تعريفًا كاملًا للإنسان.

وتلعب العلاقات الإنسانية دورًا مهمًا في هذه العودة؛ فالعلاقة الصحية مع الآخرين يمكن أن تقلل العزلة وتدعم الصحة النفسية، كما أن العلاقة التي تربط الإنسان بنفسه تؤثر في قدرته على الاعتناء بذاته وبناء قدر أكبر من المرونة النفسية.

وهنا تظهر قيمة التعاطف مع الذات، لا باعتباره تدليلًا أو هروبًا من المسؤولية، وإنما باعتباره طريقة أكثر توازنًا في التعامل مع الأخطاء والضغوط. فالمطلوب ليس أن تقنع نفسك بأن كل شيء مثالي، وإنما أن تمنح نفسك الحق في أن تكون إنسانًا يتعلم ويخطئ ويبدأ من جديد.

وقد تكون الرحلة الحقيقية إلى نفسك بسيطة للغاية: ساعة بلا هاتف، نزهة قصيرة، كتابة ما يشغلك، استعادة هواية قديمة، الحديث مع شخص تثق به، أو وضع حد لعلاقة تستنزفك. ليست كل رحلة تحتاج إلى مسافة؛ أحيانًا يكفي أن تتوقف عن الهروب.

وفي بعض الحالات، لا يكون الأمر مجرد فترة عابرة من ضعف الثقة. فإذا استمر انخفاض تقدير الذات أو ارتبط بحزن شديد أو قلق أو فقدان القدرة على ممارسة الحياة بصورة طبيعية، فقد يكون طلب المساعدة المتخصصة خطوة مهمة، وتشير الجهات الصحية إلى أن العلاج بالكلام، ومنه العلاج المعرفي السلوكي، يمكن أن يساعد في التعامل مع مشكلات انخفاض تقدير الذات.

«رحلات الإخلاء إلى نفسك» ليست دعوة إلى الانعزال عن العالم، بل إلى استعادة موقعك داخله. أن تعرف متى تتوقف، ومتى تقول «لا»، ومتى تسامح نفسك، ومتى تطلب المساعدة، ومتى تمنح نفسك فرصة جديدة.

فربما لا نحتاج دائمًا إلى تغيير المدينة أو الوظيفة أو الأشخاص من حولنا كي نشعر بأن الحياة بدأت من جديد. أحيانًا تكون الرحلة الأهم هي تلك التي تقطعها في الاتجاه المعاكس تمامًا: من الخارج إلى الداخل، من الضوضاء إلى الهدوء، ومن قسوة الحكم على الذات إلى مصالحتها.

وهناك، في آخر الطريق، قد لا تجد شخصًا جديدًا بانتظارك، بل تجد نفسك القديمة التي أهملتها طويلًا، ولكنك هذه المرة تعرف كيف تعود إليها.

شاهد أيضاً

ساعة هوا على صوت العرب تحتفي بالمولد النبوي: أخلاق الرسول منهج حياة

كتبت – دعاء سمير : في إطار خطة الشبكات الإذاعية الاحتفالية بذكرى المولد النبوي الشريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *